ربما…(*)

سبتمبر
16

في حياتي لم اعش وهم كوني كاتبا، "تايه" هذا هو الإحساس الأقرب إليّ، ولكن هل صرت مشغولا بتصنيف نفسي؟.. في الحقيقة ربما نعم أحيانا.. أحيانا لأ… فقط هذه الأيام صرت اعتبر نفسي احد الذين يطرقون على الجدران، وللطرق على الجدران رواية، هي رجال في الشمس لغسان كنفاني، هذه الرواية من الروايات التي زلزلتني، ليس لقربي الجغرافي والنفسي من الهم الفلسطيني فحسب، بل لان المشهد الأخير، مشهد الفلسطينيين، المهربون من العراق إلى الكويت، وهم يختنقون في خزان سيارة نقل الوقود، هو مشهد قريب جدا مني. فقد كان الشباب يبحثون عن فرصة عمل، أغراهم احد الأشخاص بان يدخلهم إلى الكويت في خزان الوقود، ولكنهم عوضا عن دخول الكويت سيختنقون في الخزان، وسيفتح عليهم سائق السيارة الخزان، وحين يجدهم ميتون (او ميتين) سيصرخ: يا هوه.. لماذا لم تطرقوا الجدران؟علاقتي برواية رجال في الشمس علاقة مركبة، أبي الذي وصفه الأستاذ روؤف بأنه شخصية أسطورية مثل البدو المتميزين، بدا حياته بالتهريب، تهريب الراديوهات والزنانيب (نوع من الشباشب) من غزة الى مصر في الستينيات من القرن الماضي، مأساة بدو سيناء أعمق من مأساة الفلسطينيين، الفلسطيني يعرف خصمه تماما، بل والعالم كله يعرف هذا الخصم، ويعرف تاريخ هذا الصراع، انا ايضا اعرف خصمي، ولكن العالم لا يعرف، ويتعبني وانا ابذل مجهودا هائلا لكي اشرح له. اذا خرجنا في مظاهرة، واستشهد منا فتى، في الخامسة عشرة من عمره، هو عودة ابو عرفات، كما حدث يوم 30/7/2007 (استشهد الفتي وهو يقاتل بحجر وكان لحظة استشهاده يحاول فتح باب المصفحة على الضابط المختبىء داخلها، فاخرج ذلك الضابط مسدسه وأطلق على رئة عودة النار). وحين تكلمت وسائل الأعلام عن استشهاد فتانا كان الخبر الاخير في كل نشرات الأخبار، بينما لو قتل ذلك الفتى في فلسطين لكان الخبر الاول في النشرة (هل اشعر بالغيرة.. ربما اشعر بالغيرة)..اذن انا اطرق الجدران، جدران هذا العالم الصماء، ان بدو سيناء هم اخر بدو في العالم، هذه قناعتي، وقد اوقعتهم تعقيدات الشرق الاوسط تحت حكم الفرعون، وهذه التعقيدات تمت لمصالح عالمية وليست مصالح شرق اوسطية فحسب، مما يعني ان ظلم البدو في سيناء، هو ظلم اشترك العالم في صياغته، وعلى هذا العالم اليوم ان يتدخل ليفك رقبة البدو من بين اصابع الفرعون المتورمة… هذا ما احدث نفسي به احيانا.. ولكن ما انا متاكد منه ان سيناء فيها اعلى تواجد امني في العالم (رجل امن لكل خمسة من البدو).. احيانا اكتب.. في الغالب العب مع اجهزة الامن لعبة القط والفار .. خاصة وقد وصلت يد الامن الى مكان عملي..(ربما قريبا اجد نفسي مطرودا من عملي اكرتن.. والكرتنة مصطلح بدوي مشتق من كرتونة.. والكرتنة تعني تهريب المعسل، من فوق الحدود طبعا، إلى إسرائيل.. اما المكرتن فهو الذي يقوم بتهريب كراتين المعسل..)مساء 6/9/2007 وقد كنت في طريقي إلى رفح لحضور أمسية تأبين الشهيد عودة أبو عرفات، وعلى الكمين (ولكن هل يشبه الكمين المصري نظيره المحسوم الإسرائيلي؟.. اعتقد لأ.. فأنت حين تمر على الكمين تحتاج كبشة من عشرات وخمسات الجنيهات، تلفها جيدا وتدسها في يد المخبرين وأمناء الشرطة الذين يحرسون الكمين، والمحسوم الإسرائيلي، حسب خبراتي الشخصية معه، لن تجد عليه مثل هؤلاء ..)  على الكمين اصطادني رجال الأمن، بوضوح انحنى المخبر على نمرة السيارة، وكشط منها ثلاثة ارقام، ونسى قطعة الزجاج التي استخدمها في عملية الكشط بين النمرة والصدام، وظلت في مكانها حتى هذه اللحظة، تنتظر قضاء عادلا يحقق، ولكن لا قضاء..سواء كان عادلا او حتى غير عادل.. يبقى السؤال: لماذا اختارني روؤف مسعد لمدونته.. ربما لتشابه في الأسماء.. وربما لتشابه في أشياء أخرى.. يبقى اعتزازي وفرحي بهذا الاختيار.. وفي الأخير تبقى "ربما" لتريحنا من عناء الإجابات..

مسعد ابو فجر

(*) تنشر بالتزامن مع مدونة مدني

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create