سكوت ماكلويد مراسل «التايم» في الشرق الأوسط النظام يعد لفترة ما بعد مبارك(*)

سبتمبر
29

يقيمون بيننا لكن لا يفكرون مثلنا، فهم يهتمون بكل صغيرة وكبيرة تحدث في بلادنا.. يرصدونها ويعرضونها ثم يتابعونها ويحللونها بشكل يقترب كثيرا من الموضوعية ويخلو كليا من العواطف التي تتحكم في كثير منا حينما نتعامل مع الأحداث والأخبار وهذا يرجع إلي عملهم كمراسلين أجانب في الشرق الأوسط وخبراء في شؤونه.

ومن هؤلاء مراسل مجلة «التايم» الأمريكية في الشرق الأوسط والكاتب الرئيسي في مدونة «ميدل إيست» التابعة للمجلة واسعة الانتشار، سكوت ماكلويد الذي عاش في القاهرة مدة تزيد علي الـ١٢ عاما وجعل منها قاعدة انطلاق إلي جميع العواصم الشرق أوسطية.

ماكلويد تطرق في حواره لـ«المصري اليوم» إلي كل قضايا المنطقة وركز في حواره معنا علي الشأن المصري الداخلي، فتحدث عن نقص الديمقراطية وضيق هامش الحريات وعرض توقعاته المبنية علي المتابعة الدقيقة والعلاقات الواسعة لمستقبل البلاد في فترة ما بعد الرئيس حسني مبارك، كما تطرق إلي قضية الإخوان المسلمين وقمع المعارضين والعلاقات المصرية الخارجية… وإلي تفاصيل الحوار:

* أقمت في الشرق الأوسط كمراسل للتايم منذ عام ١٩٩٥ وحتي اليوم، فماذا تغير خلال هذه الفترة في المنطقة بشكل عام ومصر خصوصاً؟

- في الواقع بدأت عملي كمراسل للتايم في الشرق الأوسط عام ١٩٨٢ وأقمت في القاهرة من عام ١٩٨٥ وحتي ١٩٨٩، حيث انتقلت إلي جنوب أفريقيا لمدة ست سنوات، وهي الفترة الوحيدة التي قضيتها بعيدا عن الشرق الأوسط ثم عدت إلي مصر مجددا عام ١٩٩٥ لأستقر بها، وأستطيع القول بالتأكيد إن الـ٢٥ عاما الأخيرة شهدت تغييرات جذرية من نواح عدة أبرزها، الاعتراف من جانب كل من إسرائيل والولايات المتحدة بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وهو الأمر الذي قاد بدوره إلي الدخول في مفاوضات عديدة للأسف لم تنجح حتي الآن في إقامة دولة فلسطينية.

ومن التغييرات كذلك ظهور ما يسمي بـ«عولمة التطرف في الشرق الأوسط» في شكل تنظيم القاعدة وحلفائه ورد الفعل القاسي علي ذلك من جانب الحكومات الغربية بالتعاون مع حكومات عربية معينة.

وأبرز التطورات في المنطقة خلال السنوات الأخيرة الضعف الذي حل علي الأنظمة العربية الشمولية، بسبب تعرضها لضغوط معينة، أهمها سوء الإدارة الاقتصادية والفساد والإفلاس الأيديولوجي والضغط الدولي المتمثل علي سبيل المثال في الغزو الأمريكي للعراق والإطاحة بنظام صدام حسين.

وفي هذا الصدد أسجل ملاحظة الظهور الطبيعي والمهم لقوي سياسية واقتصادية غير حكومية تتحدي احتكار الأنظمة الشمولية للسلطة، ومنها الأحزاب السياسية في بعض الدول العربية والإعلام المستقل ومنظمات حقوق الإنسان.

أما في مصر فأود القول إن ثمة تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية مهمة حدثت، وبالنسبة للنظام في حد ذاته فلايزال يتمتع بالثبات رغم تولي الرئيس مبارك الحكم في ظروف صعبة عقب اغتيال سلفه أنور السادات وتعرض البلاد لنوع من الاضطراب، ويجب التأكيد علي أن هامش الحريات السياسية للشخصيات والأحزاب المعارضة في ربع القرن الأخير ضيق للغاية، ومن الممكن أن تقول إن هذا يعد نقصاً كبيراً في التطور.

وفي المقابل نري نهوضا لقوي جديدة تتحدي هذا الوضع، ومنها الأحزاب السياسية الجديدة والصحف المستقلة والمنظمات الحقوقية والمؤسسات الاقتصادية الخاصة، وأكبر دليل علي ذلك التفوق الكبير لجماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية عام ٢٠٠٥.

وبوضوح أستطيع القول إن مصر أيضا شهدت تغييرات اقتصادية كبيرة في تلك الفترة، فأول مرة زرت فيها شرم الشيخ عام ١٩٨٥ لم يكن بها سوي فندق واحد فقط ٣ نجوم، وهناك الآن مئات الفنادق، لكن أنا لا أتحدث فقط عن الفنادق وإنما أيضاً عن عشرات المصريين الذين تدربوا علي هذه الصناعة الواسعة وطوروا من خبراتهم علي مستويات مختلفة منها اللغة، فكثير منهم الآن يتحدث الانجليزية بطلاقة، مما ربطهم بالعولمة الدولية.

وأقول أيضاً: علي الرغم من ذلك فإن غالبية المصريين يعيشون في فقر مدقع، وأعدادهم تتزايد بشكل مخيف، وعلي عكس إيران مثلا فإن الجهود المبذولة في مصر لمواجهة النمو السكاني محدودة للغاية وهذا يجر البلاد إلي هوة سحيقة، وهناك حاجة ملحة لجهد وطني يضعها علي الطريق الصحيح، لكن للأسف لاتمتلك الحكومة أو أي شخص آخر المهارة لتنظيم ذلك.

* نبدأ من مقالتك بمدونة الشرق الأوسط «صعود الاسلاميين إلي السلطة».. هل تعتقد أن مصر غير جاهزة لحكم الإسلاميين أم أن المناخ المضطرب حاليا يجعل كل شئ ممكناً؟

- لقد أثبت الإخوان المسلمون استعدادا كبيرا لتشكيل حزب سياسي مؤثر، وهذا يقلق أطرافا مختلفة في مصر منها الحكومة لكن أتمني أن يأتي التغيير في هذا الاتجاه ببطء وحكمة كما حدث في جنوب أفريقيا التي شهدت هذه المرحلة.

ما تحتاجه مصر حقيقة هو أحزاب سياسية حقيقية تتكامل مع بعضها في نظام ديمقراطي يتوفر فيه الرقابة والتوازن وحرية التعبير وحماية الأقليات وحقوق الإنسان، ولا أعتقد أن أي حزب سياسي قادر علي حكم مصر سواء الإخوان أو غيرهم إذا لم يتم وضع دستور ديمقراطي للبلاد.

* هل تعتقد أن الإخوان لديهم النوايا الصادقة فعلا للاعتدال إذا تغيرت الأمور أم أن تأكيداتهم في هذا الشأن استهلاكية؟

- انطباعي عن جماعة الإخوان المسلمين أنها منظمة براجماتية ستحجم كليا عن التصرف ضد مصالح مصر وأمنها لكن لسوء الحظ يؤكد التاريخ أن كثيرا من المنظمات والشخصيات قد تغيرت بعد ما ذاقت طعم السلطة لذا أؤكد أن مصر
تحتاج إلي دستور ديمقراطي وحكم القانون.

ولا أعتقد أن أي مواطن سواء في مصر أو حتي الولايات المتحدة يجب أن يثق في وعود أي سياسي وعلي الإخوان المسلمين في البداية أن يثبتوا للجميع تمسكهم بمبادئ الديمقراطية أكثر من إقامة دولة إسلامية ولو أكدت هذا الالتزام، وتم وضع دستور ديمقراطي في البلاد فمن الممكن في هذه الحالة السماح لأحزاب إسلامية بالمشاركة.

* ما تفسيرك لعملية القمع العنيفة التي يتعرض لها الإخوان حاليا في مصر ولماذا لاتعلق الولايات المتحدة أو تتدخل لمنعها؟

- أعتقد أن النظام المصري يجهز للانتقال إلي فترة جديدة بعد تقاعد الرئيس مبارك ويشعر بالقلق من احتمالات تزايد تأثير الإخوان في هذه المرحلة، وبالنسبة لإدارة بوش فإنها تقع في نوع من التضارب المزعج المتمثل في الدفاع عن الديمقراطية من ناحية ولكنها ترفض من ناحية أخري صعود الإسلاميين من خلال انتخابات ديمقراطية.

وجزء من المشكلة أن الحالة السياسية المصرية معقدة للغاية وهذا هو سبب عجز الولايات المتحدة عن دفع عجلة الإصلاح في مصر والشرق الأوسط عموما.

* الدعم الأمريكي لمعارضين أمثال سعد الدين إبراهيم وأيمن نور قبلة موت لهم، هل تتفق مع ذلك؟.. ولماذا نجحت الضغوط الأمريكية في الإفراج عن الأول من السجن وفشلت مع الثاني، هل يرجع هذا إلي طبيعة الشخص أم إلي التوقيت؟

- أستطيع التأكيد علي أن تعاطف مع إبراهيم ونور أدي الي تشويه صورتهما لدي كثير من المصريين وهذا أمر مثير للشفقة،ليس في مصر فقط، ولكن في كثير من دول الشرق الأوسط .

كما أصبحت الديمقراطية محل شك كبير في المنطقة، لارتباطها بالسياسة الأمريكية، وهي بالتأكيد شيء جيد سواء ساندتها أو أرادتها أمريكا أم لا، ويجب النظر بإمعان إلي مزاياها وانعكاساتها بعيداً عن إدارة بوش، وأود الإشارة إلي أن كثيراً من الأمريكيين يرفضون السياسات غير الديمقراطية لإدارتهم الحالية ومنها الاعتقالات السرية وإقامة معتقل غوانتانامو، وأتمني أن تستطيع الإدارة الأمريكية القادمة التعامل مع العالم العربي بطريقة تعكس احتراما ومراعاة أكبر لمصالح المنطقة وتجعل الشعوب العربية لا تعتبر الديمقراطية كلمة سيئة.

وبالنسبة لمسألة إطلاق سراح سعد الدين إبراهيم، واستمرار سجن أيمن نور، أري أنه سؤال جيد لكن حقيقة لا أستطيع الإجابة عنه، وأنا أندهش دائماً من الاتهامات والدعاوي القضائية التي أقيمت ضد هذين الرجلين.

* لقد تحدثت عن العد التنازلي لنظام مبارك.. فما توقعاتك للقادم في مصر.. انتقال سهل للسلطة أم أن الأسوأ قادم؟

- أنا متفائل جدا بالمستقبل السياسي لمصر، وبالنسبة لمسـألة انتقال السلطة -كما ذكرت سابقاً- أري أن هناك قوي سياسية جديدة ظهرت، وأن اللعبة لايمكن أن تستمر كما كانت عليه في الماضي. وأعتقد أن الرئيس القادم ستصاحبه قوي جديدة أيضا وسيحتاج إلي تكوين تحالفات وشراكات، ولا أستبعد أن تتفق القوي السياسية الرئيسية حينئذ علي وضع قواعد جديدة للعبة في مصر، وأري أن أحد موروثات الرئيس مبارك أنه حكم البلاد وفق نظام سياسي وأمني ثابت لايتغير، وهذا برأيي سيفيد البلاد حينما تتحرك لاختيار رئيس جديد.

* أليس غريبا أن تكون متفائلاً في ظل قمع المعارضة وتراجع مساعي الإصلاح وضيق هامش الحريات، ومصادرة الحق في التعبير والحكم بالحبس علي الصحفيين؟

- أنا لا أختلف معك في أن الوضع ليس جيداً، ولايزال أمام مصر الكثير، ولكنه لا يثير التشاؤم مقارنة بدول عربية أخري مثل سوريا والعراق ولبنان، وأنا أقول ذلك بناء علي خبرة ٢٠ عاما وإقامة في دول مختلفة وأؤكد ذلك بناء علي ثقتي في المصريين.

* ولم لا نقارن مصر بدول مثل ماليزيا وسنغافورة بدلا من العراق وسوريا؟

- من المهم أن نفعل ذلك وأؤكد أن مصر تحتاج الكثير علي المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ودعنا نتفق أن لديها الأساس الثقافي للتطور واللحاق بالدول النامية التي تفوقت عليها وخطت نحو الأمام ويلزمها في ذلك عشر سنوات.

* انطلاقا مما سبق، كيف تري جمال مبارك، وكيف يراه الغرب وهل تعتقد أن الولايات المتحدة أو أطرافاً أخري خارجية قد تتدخل لتأمين وصوله للحكم؟

- جمال يبدو سياسياً شاباً متميزاً من نواح مختلفة، لكنه ليس معروفاً في الغرب بشكل جيد، وأتمني -لمصلحة مصر ومصلحة الولايات المتحدة أيضاً- أن تظل أمريكا بعيدا عن الشأن المصري الداخلي ومسألة السلطة.

* لقد عشت في مصر ١٥ عاما كيف تري المصريين؟.. هل لديهم استعداد لدفع ثمن الحرية والديمقراطية أم أنهم مبرمجون -كما يدعي البعض- علي قول نعم فقط؟

- أعتقد أن كثيرا من المصريين أظهروا خلال سنوات عديدة شجاعة كبيرة وقدرة علي الدفع نحو مزيد من الديمقراطية لكنهم بطبيعتهم يكرهون العنف والمشاكل، وجماعة مثل الإخوان المسلمين -علي ما أعتقد- تسعي بحكمة دون استفزاز لتوسيع الهامش السياسي.

وعلي أي حال أري أن المصريين لم يستثمروا دوافعهم نحو الديمقراطية بشكل بناء وكاف حتي الآن ولو أنني مصري لتمنيت إطلاق عشر صحف مستقلة أخري، وكثير من المظاهرات في ميدان التحرير بدلا من أن يتم اعتقال ١٠٠٠ شخص قرروا دفع ثمن الحرية بمفردهم.

ولا أقول إن الديمقراطية تعني القيام بثورة في الشارع، ولكنها تعني بناء مؤسسات ديمقراطية، ونشر فكر ديمقراطي مثل الاعتدال واحترام القانون، وأحب إضافة شيء مهم إلي هذه النقطة وهو أنني لدي قناعة راسخة بحدة ذكاء وطيبة ووطنية المصريين الذين قابلتهم في جميع أنحاء البلاد من مختلف الشرائ
ح، وأثق للغاية أنهم يستطيعون الحصول علي مستقبل أفضل

(*)نقلا عن المصري اليوم

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create