مصر عشية صدور الأحكام علي الصحافيين بالحبس (*)

سبتمبر
30

 ما زلنا علي قدر عال من اليقين بأن شائعة مرض حسني مبارك صُنّعت وخرجت من قصره وعن طريق عائلته، تم ذلك تطبيقا لأساليب ووسائل غربية لقياس الرأي العام بشكل قاصر. ومنا من يذكر ما فعلته شركات العلاقات العامة، التي أشرفت علي الحملة الانتخابية الأخيرة، فرضت علي حسني مبارك أن يظهر أمام أجهزة الإعلام والرأي العام في قالب جديد، معروف بـ النيو لوك . نزل بهيبته نتيجة القبول بلعب دور هابط في مشهد متدن. علي أمل أن يظهر في مظهر شعي.. بنوا له خُصّا.. كوخا صغيرا من البوص وعيدان الحطب الجافة، وأجلسوا فيه أحد رجال الأمن السابقين، ليقوم بدور فلاح يدعو حسني مبارك لتناول الشاي، أثناء مروره، وبذل المدربون جهدا كبيرا ليظهر الموقف وكأنه تلقائي. وعند وصول حسني مبارك وجلوسه في الكوخ، مع الرجل، حدث ما لم يكن متوقعا.
فقد الرجل توازنه أمام هول ما يحيط به، فأعلن، أمام أجهزة الصحافة والإعلام، أنه شرطي، وأصبحت بداية المشهد هي نهايته. وما كاد الموكب يترك المكان حتي هُدِم الكوخ وسوي بالأرض. لكن لماذا لم يتوقف أحد أمام هذه الفضيحة؟ ابتلعها الجميع، والسبب هو وقوف العائلة وراء هذا الفعل. وإطلاق الشائعة لم يخرج عن نمط تفكير معتاد لديها. تصورت أنه يتيح لها التعرف علي الاتجاهات العامة من التوريث . أطلقتها وهي تعلم بوجود سوابق تساعد علي رواجها. فقد رأي العالم رئيس الدولة يسقط مغشيا عليه، في مجلس الشعب في 2004، وبعدها بشهور ذهب إلي ألمانيا لإجراء عملية جراحية في العمود الفقري. سرت الشائعة بين الناس سريان النار في الهشيم، وخرجت عن النطاق المرسوم. وتسببت في إحداث قلق بالغ. ليس علي الأب، إنما خوفا من الابن وعدم ثقة في نواياه، إذا ما ورث المنصب الرفيع.
وفي سبيل البحث عن غطاء، من عقليات مبرمجة أمريكيا، تم فتح ملف الصحافة الخاصة والمستقلة، وقد كان يبحث عن مبرر، بعد أن بات من الضروري، انتهاز الفرصة لاستعراض قوة وهنت وشاخت، عن طريق شق الصف الصحافي، وانتخابات النقابة علي الأبواب. وهي تمثل مناسبة للانتقام من المجلس الحالي للنقابة، الذي جعل مقرها بيتا يجير المظلومين والملاحقين، وحول سلالمها إلي منابر لإعلان المواقف، وتحدي سلطان الأمن، ومواجهة جبروت الحزب الحاكم. و العائلة تريد نقيبا حكوميا، أو علي الأقل يكون مروضا، يساعده مجلس مدجن. واتهمت الصحف المستقلة والخاصة بأنها سبب انتشار الشائعة، ووقع الاختيار علي رئيس تحرير الدستور ، إبراهيم عيسي، فهو في نظر العائلة الأكثر شغبا، وألبسوه التهمة. فأبعدوا الأنظار عن المروج الحقيقي للشائعة، وصرحت مصادر موثوقة، بأن هناك قائمة تضم إثنين وثلاثين كاتبا وصحافيا وإعلاميا، في داخل مصر وخارجها، يتم اصطيادهم تباعا، ومن المتوقع زيادة العدد في الأيام والأسابيع القادمة. وصحافيو وكتاب الخارج المقصودون، يتوزعون بين روسيا وأوروبا الشرقية، وبين النرويج ولندن وباريس وبرلين وواشنطن. وهذا يعري الحديث عن المصالحة والتهدئة. ويجعله قاصرا علي التوظيف الانتخابي لدي عدد من الصحافيين. أهمهم الأخ والصديق رئيس تحرير الأسبوع القاهرية، مصطفي بكري، والصحافي المخضرم، مكرم محمد أحمد.. من المتوقع أن يتنافسا علي منصب النقيب!!.
و العائلة، وهي تتخذ هذه الإجراءات تثبت أنها لا تشعر بما يدور حولها. لم تستوعب بعد أن أوضاع مصر تغيرت. هناك انتفاضة تغطيها. ممتدة من الشمال إلي الجنوب، ومن الشرق إلي الغرب، يتناولها الإعلام الداخلي والعربي والعالمي بخفة وسطحية، ولم يسأل مراقب أو محلل نفسه، إذا ما عمت ظاهرة العصيان، وشملت مجمل القطاعات، وانتشرت بين أغلب القوي، ماذا يسمي هذا؟. ومع توالي صدور الأحكام، وشمولها صحافيين آخرين، مثل رئيس تحرير الوفد ، وعدد من صحافيي جريدته. بدأ التحرش برئيس تحرير البديل ، محمد السيد سعيد. ليزيد عدد رؤساء التحرير المستهدفين إلي ستة، وهم ومن معهم من صحافيين، انضموا إلي صحافيي جريدتي الشعب وآفاق عربية الإسلاميين المشردين، وبهذا يصل عدد المحكوم عليهم والمشردين إلي العشرات. واتخاذ إجراءات قانونية وأمنية ضد الصحافيين يأتي ومصر ترزح تحت وطأة آثار بيع أصول ومشروعات مصر الإنتاجية والصناعية والخدمية، ونقل ملكيتها إلي الأجانب أو تسليمها للمحتكرين. وزاد الشعور بالخطر مع بيع المنشآت والمؤسسات الجامعية والتعليمية. شعر المواطن وهو يتابع توقيع عقد بيع جامعة الإسكندرية، ومستشفي الشاطبي التابع لها، بالإحباط الشديد. ودع آخر أمل لديه في المستقبل، وقد كان يضحي ويتحمل لقناعته الراسخة بأن التعليم باب مفتوح للخروج من أسر الجهل والحاجة والعوز، ماذا يبقي له بعد إغلاقه؟
هذ ه الظروف أعطت للكلمة الصادقة سموا، ومنحت القلم المدافع عن الحق نبلا، وهي نفسها ظروف تكفل تحويل مثل هؤلاء إلي نماذج ومثل، افتقدتها مصر علي مدي سنوات حكم حسني مبارك، ومن المتوقع أن تزيد قسوة الحملة من صلابتهم ولا تقلل منها. وهنا يصدق علي من وقف وراء صدور هذه الأحكام قول الله عز وجل فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور . ومع ذلك تستمر العائلة في إحكام قبضتها وتأكيد سيطرتها، وتتصرف بوحي مصالحها ومكاسبها الخاصة. لا تتعلم وهي تنتقل من فشل إلي آخر. تكرر دوما أخطاءها وخطاياها. كان ذلك واضحا وهي توكل مهمة التعامل مع شائعة المرض إلي الإبن، الذي اعتمد بدوره علي مساعدين علي شاكلته. شُلت الأجهزة والمؤسسات والهيئات المعنية. لأن التعليمات
كانت انتظار ما سيخرج من مطبخ أمانة السياسات. وزير إعلام ينتظر، ورؤساء تحرير وكتاب صحف، حكومية وتابعة، ينتظرون كذلك، وكاتم الأسرار وحامل الأختام، زكريا عزمي، نأي بنفسه بعيدا، فرأسه مطلوب من الإبن وذراعه الأيمن أحمد عز، والناطق الرسمي باسم الرئاسة وقف، هو الآخر، في طابور المنتظرين. عم الشلل أجهزة الدولة، وتجمدت أطرافها. معني هذا أن الأب كان غائبا.. أين؟ ولماذا؟.. وحين تم تنفيذ اقتراح الابن بظهوره في القرية الذكية وفي برج العرب. كان الأثر عكسيا، وزاد من انتشار الشائعة. هنا تقدمت سيدة القصر لتمسك بالزمام علي طريقتها المعتادة. بادرت بالتصريح بأن صحة زوجها زي الفل ، وطالبت بمحاسبة الصحافيين. وفورا أحيل ابراهيم عيسي إلي نيابة أمن الدولة العليا، في أول أيام شهر رمضان!!.
سيدة القصر لمن لا يعرف لها سطوة شديدة. رغباتها لا ترد، ولا تخفي ذلك، بل كثيرا ما تفخر به. وفي حديثها إلي مجلة إيجبت توداي الشهرية، عدد أيلول سبتمبر) ونقلته صحيفة العربي الناصرية في التاسع من هذا الشهر. ذكرت في معرض الحديث عن إعلانات تليفزيونية استفزتها، منذ أكثر من عشر سنوات، وكانت وقتها مشغولة بتأسيس جمعية جيل المستقبل . تقول بالنص لذلك قررت في الحال دعوة لاجتماع يحضره وزير الإعلام ووزير الإسكان ووزير الصحة، وقلت لهم لا بد أن نفعل شيئا !! وعلي ما أذكر كان وزير الإعلام صفوت الشريف، ووزير الإسكان محمد إبراهيم سليمان، ووزير الصحة اسماعيل سلام!!. وفي معرض آخر للحديث عن مشاركتها في مؤتمر بكين سنة 1990.
ذكرت أنه كان من المقرر أن يلقي حسني مبارك كلمة في المؤتمر، وتقول إن حرب العراق، (تقصد غزو الكويت) منعته من الذهاب، فقرر أن أمثل مصر بدلا منه ، هكذا مرة واحدة. هذه الطريقة أمدتها بالقوة والسطوة، بعد أن أضحي حكم مصر شأنا عائليا خالصا. فالمسؤول الذي يسمح لزوجته بتمثيله دوليا، قادر علي أن يمنح ابنه سلطات وصلاحيات مطلقة، تضعه فوق القانون والمؤسسات وتمكنه من أن يرث حكم مصر!!.
وصل السخط مداه عشية صدور الأحكام، ولم يكن الحال في حاجة إلي مزيد. انتفاضة تشق طريقها، وتتسع يوما بعد يوم. ولم يلفت هذا أنظار العائلة ، ولا أقلق من يسيرون في ركابها، وتم تجاهل المخاطر التي كشفت عنها الصحف المستقلة والخاصة، من جراء الفساد والتعذيب ونهب الثروات، وسرقة المصارف والآثار، وغسيل الأموال وتجارة المخدرات. وبدلا من المحاسبة والتحقيق فيما نشر من وقائع، أشعلت العائلة نيران ما يمكن أن نطلق عليه الحقد المعاكس ، أي حقد الأثرياء علي الفقراء، ووجهت كل بطشها إلي الفقراء والمعدمين، ومحدودي الدخل، وقليلي الحيلة.
تحملهم أعباء أكبر من طاقتهم، وتقوم بتصفيتهم، بشكل ممنهج، عن طريق نشر الأوبئة واستيراد السموم والإهمال. وتعبر عن ذلك سيدة القصر بشكل لا لبس فيه ولا غموض. وهي تؤكد لمديرة مجلة إيجبت توداي أن اهتمامها بالمشروعات الخاصة هو الأساس، وتؤمن بنشاط القطاع الخاص وتقول وهي ممتعضة: للأسف وسائل الإعلام لا تساعد علي هذا التوجه فهي لا تبرز دور القطاع الخاص بصورة جيدة وأنا دائما بجانب القطاع الخاص، لأنكم كما تعرفون أن %90 من أنشطتي ممولة من القطاع الخاص المحلي ، وتضيف افتحي الصحف سوف تجدين قصصا مليئة بهذ النوع من المرارة التي لا تصدق ضد الناس التي تمتلك منازل في مارينا وفي مراقيا وضد الناس التي تمتلك يخوتا وزوارق وسيارات، وأنا أقول ما العيب في أن يكون هناك أثرياء يستطيعون شراء الأشياء . ومن الممكن أن يكون الرد علي سؤالها أنه لا عيب في هذا. إذا لم يكن هذا الثراء من عائد النهب المنظم واللصوصية والرشوة، والقتل والتعذيب والابتزاز، والجباية واستغلال النفوذ السياسي والتجارة في البشر. لقد أشعرت كل من اطلع علي حديثها أنه يعكس هزيمة مرة، رغم ما تحت يديها من جيوش جرارة، وإمكانيات جبارة. صحافية وثقافية وإعلامية وأهلية ودولية وغيرها، ونتوقف هنا فما زال المشهد عشية صدور الأحكام يحوي المزيد.

(*)مقال: محمد عبد الحكم دياب..نقلا عن القدس العربي

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create