إشكالية العلاقة مع الأمن في مصر مرة أخري هل من طريق لإعادة تأهيل الشرطة لتكون في خدمة الشعب؟

أكتوبر
20

محمد عبد الحكم دياب

20/10/2007

تبقي العلاقة بين أجهزة الأمن والمواطنين المصريين في توتر دائم واحتقان مستمر. ما دام النهج البوليسي متحكما في مفاتيح الحياة بميادينها المختلفة، سياسية واجتماعية واقتصادية وتعليمية وثقافية وأكاديمية وإدارية وقانونية. ليس هناك مجال مستثني، حتي ضاقت فرص الحياة بما رحبت.
في هذا الواقع شمر وزير الإعلام عن ساعديه، وحمل علي عاتقه مهمة القيام بـ غسيل سمعة أجهزة الأمن والشرطة. وإظهارها في قالب جديد نيولوك ، ينفي عنها ممارساتها المشينة. وهو نفس نمط غسيل الأموال الناتجة عن عائد حرام أوكسب غير مشروع، وإدخالها في قنوات مالية واستثمارية تبدو طبيعية ومشروعة. وتم ذلك من خلال مسلسلات تليفزيونية، وتناول درامي ساذج لعلاقة شديدة التعقيد، بين طرفين غير متكافئين. بداية لا نستطيع أن ننفي أن هناك من بين رجال الأمن والشرطة عناصر صالحة وملتزمة أخلاقيا، إلا أن هؤلاء ليسوا واضعي سياسة ولا أصحاب قرار، ولا في مقدورهم فعل شيء، وما يجري لا يصح وصفه بالتجاوزات والأخطاء، فالعمل العمد ليس تجاوزا وتنفيذ سياسة ليس خطأ، وكلاهما ملزم للعاملين في أجهزة الأمن والشرطة، بغض النظر عن المواقف والالتزام الأخلاقي. والتناول الساذج لا يخفف من وقع المشاهد الحية للتعذيب وانتهاك الأعراض والقتل. وهذا ما كان ليتم بمثل هذه الجرأة والاتساع، لولا الحجم الضخم لأجهزة منتشرة، سرطانيا، في جسد المجتمع وخلاياه.
تذكر مصادر أمريكية أن عدد قوات الأمن والشرطة، في مصر، وصل إلي مليون وأربعمئة ألف، وهو رقم يصعب تصديقه، لأنه يقترب من أربعة أضعاف عدد أفراد القوات المسلحة، وقد يكون العدد الأضخم لجهاز أمني علي مستوي العالم، إذا ما قورن بعدد السكان، ولجأت لزميل صحافي، أسأله عن إمكانية تصديق هذا الرقم الضخم. فأكده، اعتمادا علي معلومات لديه تقول بأن عدد قوات قطاع الأمن المركزي وحده يصل إلي المليون، وإذا ما أضيفت إليه الإدارات والقطاعات الأخري فمن الممكن أن يصل الرقم الي ما صرحت به المصادر الأمريكية. وهذا حجم يخل بالتوازن القائم بين أجهزة الحكم وسلطات ومؤسسات الدولة، ويجعل سلطان الأمن يطغي علي كل شيء. وازداد الخلل بفعل غياب إدارة سياسية رشيدة وكفؤة. مما تسبب في انحراف دور أجهزة وهيئات، من المفترض فيها أنها تحارب الجريمة، فتحولت إلي مراكز لتفريخها ورعايتها، وهو وضع قضي علي الشعور بالأمان في المجتمع. وكانت نتيجة هذا الطغيان طبع العلاقة، بين المواطن والشرطة، بطابع ثأري، بشكل يبعث علي القلق، لأن معارك الثأر إذا اندلعت لا تنتهي إلا بحمل الجاني لكفنه علي كتفه، ويسير إلي أهل المجني عليه حافيا، طالبا الصفح. ولا ننسي الحوافز المزكية للثأر، والمبنية علي قيم وتقاليد وأعراف، لها علاقة بمعاني الشرف والعرض والكرامة. تضفي علي من يأخذ بالثأر صفات الرجولة وهالات البطولة. تتردد سيرته علي الألسنة. ويكسب تعاطفا، يساعد في اتساع دائرة الثأر، ولا يحد منها.
روح الثأر هي التي جعلت أم نصر أحمد عبد الله، ضحية شرطة تلبانة بمحافظة المنصورة، ترفض تقبل العزاء في ولدها، حتي تأخذ بثأره من الضابط الذي قتله، وأدت إلي رفض عائلة ناصر جاد الله، ضحية العمرانية بالجيزة، الإغراءات، انتظارا ليوم ثأر قادم، والشاب يحيي، من واحة سيوة، الذي أشعل ضابط الشرطة ومساعدوه النار فيه حيا، توعد جلاديه بالانتقام، ومشيعي جنازة شهيد سيناء، الذي سقط برصاص الشرطة، وهو يقاوم هدم منازل أهل رفح المصرية، طالبوا بالثأر، وهم يهتفون بسقوط حسني مبارك، وأهالي قرية البراهمة، في صعيد مصر (الجواني)، التابعة لمركز قفط، بمحافظة قنا، أنذروا رجال الشرطة الذين سَبَوا نساءهم واتخذوهم رهائن، حتي يسلم أحد المطلوبين، في نزاع علي أرض، نفسه. وهو ليس متهما في قضية سياسية.. وقضيته عادية مما يحدث يوميا، في أماكن متفرقة من مصر. وهو أسلوب مارسه جهاز أمن الدولة مع أسر وعائلات قادة الجماعات الإسلامية، في الفترة من 1993 إلي 1997، وتم تعميمه علي باقي أجهزة وإدارات الشرطة الأخري. فتحولت مراكز وأقسام الشرطة إلي سلخانات ومجازر بشرية، ندر وجودها في مكان آخر خارج مصر.
قد يلقي البعد التاريخي ضوءا علي بذور وجذور العنف المتأصل لدي أجهزة الشرطة. فنشأة أول جهاز للأمن السياسي، كانت علي يد الاحتلال البريطاني، الذي ربط العقوبة بالتعذيب والإذلال وامتهان الكرامة. كانت سلطات الاحتلال، في ذلك الوقت، في حاجة إلي ملاحقة المقاومة الوطنية، وكان الجهاز تابعا لها، في إدارته وإعداده وتوجيهه. وحين امتدت يد الاغتيال إلي شخصيات بريطانية هامة، بعد قيام ثورة 1919، استعانت هذه السلطات بضباط مصريين، عملوا لحسابها ونفذوا مخططها، وأول ضابط مصري تولي هذه المسؤولية هو اللواء سليم زكي، حكمدار القاهرة، فطارد الشباب الوطني، وتمكن من القبض علي الذين اغتالوا قائد القوات البريطانية، السير لي ستاك. ومع بدء تراجع الوجود البريطاني داخل الأمن، في أعقاب توقيع معاهدة سنة 1936 انتقلت المسؤولية إلي وزارة الداخلية، وتأسس لذلك القلم السياسي ، بإدارتين واحدة للقاهرة والثانية للإسكندرية، و قسم مخصوص ، يتبع الشرطة الملكية، ويتلقي أوامره من الملك مباشرة.
والثابت تاريخيا هو أن أجهزة الأمن السياسي المصرية هي الأقدم في المنطقة العربية، واتخذت منذ نشأ

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create