الحركات الاجتماعية.. البديل للإرهاب والإنفجارات العشوائية

أكتوبر
28

دخلت ساحة حركات الاحتجاج في مصر فئات اجتماعية جديدة، لم يكن مألوفا مشاركتها في حركات الاحتجاج، وعلي الأخص في استخدام أشكال احتجاجية عالية الصوت، كالإضراب والاعتصام والتظاهر. فلسنوات طويلة ارتبطت احتجاجات الموظفين بأسلوب الشكاوي والمظالم والاستغاثة بالرئيس في العمل طلبا للإنصاف، كما ارتبطت احتجاجات المواطنين من شح المياه أو انقطاع الكهرباء بتليغرافات لأولي الأمر، أو استغاثات لبريد القراء. الأحوال اختلفت هذه الأيام حيث عرفت مصر إضرابات المعلمين وموظفي البريد والضرائب العقارية وغيرهم من المظاليم. كما عرفت انتفاضات العطشي، التي قطعت في أكثر من مناسبة الطريق احتجاجا علي شح المياه. وأبدي سكان قلعة الكبش المطرودون من مساكنهم مقاومة باسلة من الاعتصام إلي التظاهر أمام مجلس الشعب ومحافظة القاهرة إلي التوجه للصحف والأحزاب. و الامثلة كثيرة.. وكلها شاهد علي طاقات احتجاج لم تعد مكتومة، ترتبط بمظالم اجتماعية وضعت ظهور المواطنين للحائط.و الأمر هذه المرة يختلف عن انتفاضة الخبز في يناير 77 التي كانت حدثا وحيدا كبيرا فريدا، شمل البلاد من أدناها إلي أقصاها في 18 و19 يناير، ولم يتكرر بعدها ـ شأنه في ذلك شأن كل الاحداث الكبري ـ وإن خلف وراءه آثارا عميقة علي سياسات الحكومة والمعارضة. الآن، لم يعد الاحتجاج الاجتماعي واسعا، لكنه اصبح متواترا تنتقل عدواه من فئة اجتماعية إلي أخري، بعد ان بلغ السيل الزبي، كما يقولون. والحال أنه بينما شهدت الحركات السياسية تراجعا مع إلحاح الحكم ـ مستخدما عصاه ـ علي العودة بالبلاد إلي ما قبل حدود 2004 (الخطوط الحمراء والأسقف المنخفضة) تتقدم الحركات الاجتماعية، في ارتباط وثيق مع ما انتهت إليه احوال العباد والبلاد بفضل روشتة الخصخصة وعصابة الفساد. وللإنصاف فإن نشاطات جماعات التغيير السياسي ساعدت في إطلاق شرارة الحركات الاجتماعية. العمق الاجتماعي والحركات الاجتماعية هي الحركات والأنشطة التي ترتبط بمصالح فئات محددة من السكان، لها مطالب نوعية ومصالح خاصة تسعي لتحقيقها. وعادة ما ترتبط الحركات الاجتماعية بأشكال من التجمعات الفئوية القاعدية، التي تركز علي مطالبها الخاصة، وارتباطها بالقضايا العامة، أو التجمعات القومية في مرحلة معينة من تطور النشاط، ويكون جمهورهذه الحركات من الفقراء والمهمشين والأطراف الضعيفة التي تعاني شكلا أو أكثر من أشكال الحرمان. >  ويصنع المحرومون روافد عديدة، قد تكون صغيرة أو كبيرة للحركات الاجتماعية >  كالفلاحين المعدمين أو أصحاب الملكيات القزمية >  وموظفين تنكمش أجورهم مع موجات التضخم >  وسكان بلا مأوي >  وصيادين محرومين من حق الاتصال الحر بموارد الطبيعة >  أو عمال لا يتمتعون بحق العمل أو محرمون من الحماية القانونية والرعاية الصحية وكل أشكال الضمان الاجتماعي >  أو نساء تتعرضن لأشكال متنوعة من الحرمان، تبلغ ذروتها بتأنيث الفقر والعنف ضد المرأة >  أو أقليات عرقية أو دينية لا تتمتع بحقوق المواطنة الكاملة الاجتماعي والسياسي وتختلف الحركات الاجتماعية عن الحركات السياسية، في كون أن الحركات السياسية عادة ما تبدأ من منظور كلي وبرنامج شامل، تحاول الاقتراب منه إلي القضايا النوعية والفئوية، بينما تبدأ الحركات الاجتماعية من قضايا نوعية تكون مدخلها إلي السياسات.  وتبعا لذلك فإن الحركات السياسية عادة ما تكون أكثر اتصالا بالأحزاب، بينما الحركات الاجتماعية عادة ما تكون أقرب إلي المنظمات غير الحكومية القاعدية والمرتكزة إلي العمل المحلي. ويتبع ذلك القول أن الحركات الاجتماعية أكثر مرونة وتنوعا، داخل جمهورها النوعي، واقل انضباطا لرؤية كلية، أو لقرارات هياكل تنظيمية تقوم علي مبدأ المركزية أو قيم الولاء.  وخلافا لذلك فإن الحركات السياسية اقل مرونة وتنوعا داخل الفئات الاجتماعية، وإن كانت أكثر تنوعا في ارتباطها بفئات عديدة علي أساس قبولها لبرنامج عام يخص كل السكان. سمات نوعية كما تختلف الحركات الاجتماعية عن النقابات في أنها لا تمثل إطارا لعلاقات منتظمة بين أعضائها وصاحب العمل توفره مظلة قانونية لحماية الحقوق، فلا يوجد صاحب عمل تواجه المنظمات النسوية مظاهر لسياساته التمييزية، كما أن هموم الصيادين قد لا تنصرف إلي مشاكل مع صاحب عمل بالذات، بل ترتبط بنمط التحكم والهيمنة علي موارد المياه.. وهكذا الحال مع الفلاحين المعدمين، والمواطنين الذين يفتقدون المأوي وأطفال الشوارع. رغم هذه الاختلافات لا يوجد سور صيني عظيم بين الحركات الاجتماعية والحركات السياسية حيث يصعب القول إن الحركات السياسية ليس لها طابع اجتماعي، أو أن الحركات الاجتماعية ليس لها طابع سياسي. تنوع المسارات وقد يعود التمييز الأساسي هنا إلي أن مدخل الحركات الاجتماعية إلي السياسات مدخل نوعي ومحدد بفئة خاصة من السكان، كما أن مدخل الحركات السياسية إلي القضايا الاجتماعية مدخل كلي يرتبط بقضايا عامة. ومع هذا فقد تظهر حركات سياسية ترتبط بمطلب محدد (كفاية، علي سبيل المثال) لكنها تتوجه بهذا المطلب لكل فئات السكان، غير أن هذه الحركات عادة ما تكون حركات انتقالية ومؤقتة أو قد تتحول إلي حزب سياسي يملك رؤية شاملة وبرنامجاً عاماً. ضد التمييز ومثلما لا يوجد سور صيني بين الحركات الاجتماعية والسياسية، فإنه لا يوجد أيضا بينها وبين التنظيمات النقابية، فمظاهر التمييز العامة في كل المجتمع تنعكس بالضرورة علي علاق
ات العمل حيث ترتدي القضايا الاجتماعية، في جانب منها، طابع المطالب النقابية، كحرمان النساء العاملات من مزايا معينة، كأحد مظاهر التمييز ضد المرأة وقد انتقلت إلي مجالات العمل، أو تعرض عامل أو طالب لأشكال من الاضطهاد ترتبط بالعرق أو الدين. والقضية هنا لا تتعلق بأفضلية شكل من أشكال الحركة علي الآخر، فكلما تنوعت أشكال التعبير عن المجتمع المدني كان ذلك مظهرا لتطوره. تكامل الأدوار  كما أن تطور المجتمعات وقدرة المجتمع المدني، بكل مكوناته، علي أداء رسالته، يستدعي كل هذه التنظيمات، كما يطرح ضرورة تضافر وتكامل  وظائفها وتطوير الشراكة بينها، مع تحديد الأدوار، حتي لا يطغي السياسي علي الاجتماعي فيفقد الحركة ثرائها وتنوعها أو يطغي الاجتماعي علي السياسي فيفتقد المجتمع الرؤية الكلية لقضايا والتغيير
(*) نقلا عن جريدة البديل

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create