فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق

أكتوبر
28

 بقلم  د. سعد الدين إبراهيم    ٢٧/١٠/٢٠٠٧

في الأسبوع الماضي صرّح رئيس الأركان الأمريكي السابق، الجنرال ريكاردو سانشيز: «إن استراتيجية البيت الأبيض في العراق، هي كابوس، ولا يمكنها أن تؤدي إلي النصر» (١٣/١٠/٢٠٠٧).

كان الجنرال سانشيز في الخدمة، حينما غزت بلاده العراق (١٩/٣/٢٠٠٣). وقتها وخلال الأعوام الثلاثة التالية، لم نسمع منه إلا ما يؤكد عدالة الغزو لإنقاذ الشعب العراقي من طغيان ودموية صدام حسين. كذلك لم نسمع منه كلمة نقد واحدة لاستراتيجية بلاده في العراق، أو لسياسات الرئيس جورج بوش في الشرق الأوسط. وربما كان ذلك ما تفرضه التقاليد العسكرية.

فمادام أحد أفراد القوات المسلحة لايزال في الخدمة، ويرتدي زيها الرسمي، فإنه يلتزم أصول الضبط والربط، ويطيع أوامر قياداته، ولا يتحدث في السياسة. وفي الولايات المتحدة، كما في معظم بلدان العالم، فإن رئيس الجمهورية، هو القائد الأعلي للقوات المسلحة.

 ومن ثم يلزم جميع أفرادها، بما في ذلك رئيس الأركان بأوامر وتوجيهات الرئيس، ولكن بمجرد التقاعد وخلع الزي العسكري الرسمي، يتحول الضابط السابق إلي مواطن مدني لاحق، له كل حقوق المواطنة، بما في ذلك حق الانغماس في الشأن العام ونقد سياسات حكومته. وهذا ما حدث في حالة الجنرال سانشيز.

وتذكرت علي التو جنرالاً أمريكياً آخر هو وليام وستمورلند، قائد القوات الأمريكية أثناء حربها الممتدة في فيتنام (١٩٦٨/١٩٧٥)، والتي انتهت بهزيمة كاسحة، لم تتعود عليها الولايات المتحدة طوال المائتي سنة، التي كانت هي كل تاريخها، منذ الاستقلال (١٧٧٦). وكانت مرارة الهزيمة هي الأشد علي العسكريين الأمريكيين. فهم لم يخسروا أي معركة في تلك الحرب الطويلة، علي امتداد اثنتي عشرة عاماً.

 ومن حيث قوة النيران، وأعداد القتلي، كانوا هم دائماً الجانب الأرجح، ولكنهم في النهاية خسروا الحرب، وكان انسحابهم من آخر مواقعهم في سايجوت، عاصمة جنوب فيتنام انسحاباً مرتبكاً ومخزياً. ونقلت الكاميرات التليفزيونية الأمريكية والعالمية مشهد آخر طائرات الهليوكوبتر، وهي تقلع، وآخر الجنود المدنيين الفيتناميين وقد تعلقوا بعجلاتها في الهواء، حتي لا تأسرهم قوات الفيتكونج المعادية، التي كانت تحاصر سايجوت!

 وقد ألقي الجنرال وستمور لاند وقتها باللوم علي البيت الأبيض والسياسيين الأمريكيين في واشنطن. ويبدو أن الجنرال ريكاردو سانشيز لا يريد لبلاده أن تلقي هزيمة وانسحاباً مماثلاً من العراق، بعد ٣٢ سنة من ذلك المشهد المخزي في سايجوت (١٩٧٥).

لقد تزامنت الحرب في فيتنام مع سنوات دراستي للدكتوراه في الولايات المتحدة. وكنت في أثنائها رئيساً منتخباً للطلبة العرب، وحيث كانت مشاعرنا كمواطنين من العالم الثالث أكثر تعاطفاً مع الشعب الفيتنامي الذي كان مقاتلوه من الفيتكونج، بأجسامهم النحيلة وبيجاماتهم السوداء، يقاومون آلة الحرب الأمريكية الهائلة، بجنودها الأضخم حجماً، ومعهم دبّاباتهم وطائراتهم الأكثر فتكاً.

 وكلما صمدت مقاومة الفيتكونج، رغم خسائرهم الفادحة من الأرواح التي كانت تحصدها آلة الحرب الأمريكية يومياً، اشتد الجنون في البيت الأبيض والبنتاجون، وكلما ضاعفوا من تدميرهم للموارد المحدودة لفيتنام، جنوبها وشمالها، مزارعها وغاباتها، طرقها وجسورها، وألقت القاذفات الأمريكية من القنابل علي فيتنام، أكثر مما ألقته كل الجيوش في الحرب العالمية الثانية.

 ومع ذلك ظل الفيتناميون يقاومون سنة بعد أخري، وكان الشباب الأمريكي يشاهد أخبار الحرب يومياً، بالصوت والصورة، علي شاشات التليفزيون، ولأنه كان الجيل الأول الذي وُلد بعد الحرب العالمية الثانية، فإنه نشأ يتساءل ويسأل قياداته السياسية: لماذا الحرب في فيتنام؟ وكانت تأتيه إجابات من قبيل: «نحن الأمريكيين هناك دفاعاً عن الحرية ونشر الديمقراطية، في وجه الزحف الشيوعي»، وبالطبع صدق معظم الأمريكيين ذلك في بداية سنوات الحرب، ولكن مع استمرار القتل والدمار، تناقص المؤيدون وتزايد المعارضون للحرب في فيتنام بين الشباب الأمريكي، وخاصة في الجامعات. فبدأوا ينظمون المظاهرات والاعتصامات، فيما أصبح يعرف بـ «حركة مناهضة الحرب»Anti war movement ، وشارك الطلبة العرب وغيرهم من طلبة العالم الثالث الذين كانوا يدرسون في الولايات المتحدة وقتها زملاءهم الأمريكيين.

وفي الواقع كان لقائي بإحدي الفتيات الأمريكيات، من مناهضات الحرب ضمن مسيرات تلك الحركة ، وهي، باربارا ليثم، التي ستصبح زوجتي ورفيقة حياتي، منذ أكتوبر ١٩٧١، وقد رزقت منها بابنتي المحامية راندا، وابني المهندس أمير.

 ومثل كل الأبناء سمعت راندا وأمير قصة لقاء والديهما أثناء حركة مناهضة الحرب في فيتنام. ويبدو أن ذلك ترسب في أعماق وعيهما. وذلك حينما سنحت الفرصة، اختار ابني المهندس أمير فيتنام، دون اختيارات أخري كانت متاحة أمامه، لكي يساعد فقراءها من الفلاحين، في توفير مصادر رخيصة للطاقة. وأعد لنا الابن البار مفاجأة، بدعوتنا (أمه وأبيه) للاحتفال بعيد زواجنا السادس والثلاثين في فيتنام، ولسان حاله يقول أنه لولا تضامنكما مع نضال الشعب الفيتنامي لربما لم تلتقيا، ولم تتزوجا، ولم تنجباني
أنا وشقيقتي راندا، وقد سعدنا، أنا وأمه بركة (باربارا) بلفتته الرقيقة، ولبينا الدعوة علي الفور.

وها أنا بعد عدة أيام من التجوال والمشاهدات الميدانية، والحديث مع كل من استطعت الحديث معهم من الفيتناميين، أكتب هذا المقال من العاصمة الأسطورية هانوي، ومن موقع يطل علي «النهر الأحمر»، الذي يشق المدينة، التي أعادت بناء ما دمرته الحروب المتعاقبة طوال القرن العشرين.

إلي جانب حب استطلاعي عن الشعب والمجتمع والحزب والدولة في فيتنام، كنت حريصاً علي معرفة كيف أعادوا بناء بلادهم واقتصادهم، وكيف جذبوا آلاف الشركات الأجنبية للاستثمار عندهم؟، وكيف وازنوا بين هذا التدفق الرأسمالي من ناحية واقتصادهم الاشتراكي ـ الماركسي من ناحية أخري؟ وكيف غفروا أو سامحوا تلك القوي الأجنبية، التي استعمرتهم، ونهبتهم، ودمرت بلادهم وقتلت منهم ما يقرب من المليون خلال الثلاثين عاماً، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية (١٩٤٥-١٩٧٥)، فضلاً عن القرنين السابقين (١٧٥٠-١٩٤٥)؟.

كانت هناك إجابة عامة واحدة من الفيتناميين أنفسهم، وصدّق عليها الأجانب الذين التقيتهم، وخاصة من الأمريكيين والفرنسيين، وهي «أن الفيتناميين، كشعب وكثقافة، لا يتوقفون كثيراً عند الماضي، ولا يجترون الآلام، أو يمعنون في جلد الذات، أو الاستمتاع بدور «الضحية». إنهم عمليون للغاية (الكلمة الإنجليزية Pragmatic)، ينظرون إلي الحاضر ويتطلعون دائماً إلي المستقبل. وقد أكد ذلك لي المحامي الأمريكي جون بنتلي John Bentley، الذي عاش في مصر خمسة عشر عاماً، ساعد فيها السلطات المصرية علي صياغة قوانين الانفتاح، والتحول إلي اقتصاديات السوق. وقد استدعته السلطات الفيتنامية عام ١٩٩٤، لكي يساعدهم لتحقيق نفس الشيء.

وحينما سألته عن المقارنة بين خبرته في مصر وخبرته في فيتنام، قال «إنهم هنا أشد فقراً، حيث متوسط الدخل الفردي لا يتجاوز ستمائة دولار، أي ثلث مثيله في مصر، ولكنهم أكثر جدية، ولا يضيعون وقتهم وطاقتهم في معارك الماضي، أو الانشغال بمؤامرات وهمية، يقوم بها الآخرون ضدهم». لقد استغرب المحامي الأمريكي أنهم دعوه إلي بلادهم في المقام الأول، واستغرب أكثر أنه خلال السنوات الاثني عشر التي قضاها في فيتنام، لم يثر أحد الحديث عن الماضي إلا مرتين، وحتي ذلك كان بمناسبة فيلم سينمائي عن حرب فيتنام. ويضيف جون بنتلي، أنه ربما لهذا السبب تحقق فيتنام معدلاً من النمو الاقتصادي السنوي، مثل جارتها الشمالية وهي الصين ـ وهو ٩%! فهي نمر اقتصادي صاعد.

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create