سيناء ليست شبكة لرؤوس أنفاق ذيولها في قبضة حماس(*)

أكتوبر
29

مسعد ابو فجر

الاثنين 29 تشرين الأول (أكتوبر) 2007

تمتد حدود سيناء لما يقارب من الألف كيلو متر، ولكن النظام يختزلها في السبعة عشر كيلو التي تفصلها عن قطاع غزة، ليصدرها للعالم على انها شبكة من روؤس انفاق تتحكم فيها حركة حماس. صحيح ان ثمة عمليات تهريب بين سيناء من ناحية وقطاع غزة واسرائيل من ناحية ثانية، ولكن ليس من العدالة النظر لهذه العمليات، وكانها النشاط الوحيد لبدو سيناء، اذ ان من يمارسونها لا يزيدون عن 1% من مواطني سيناء، مثلما هو ليس من المنطقي النظر اليها مفصولة عن اسبابها الاقتصادية والثقافية.

مشكلة النظام مع بدو سيناء مشكلة عميقة وهي ترتبط بوعي النظام وقيمه، هذا الوعي الذي يعتمد العصا كآلية واحدة ووحيدة لتطويع شعبه، وقد ظل يتعامل مع البدو بهذه الالية، طوال مدة الخمس وعشرين سنة الماضية، حتى وصل معدل الكثافة الامنية في سيناء الى اعلى معدل في العالم (رجل امن لكل خمسة من البدو). ولكن ورغم هذه الكثافة الامنية الغير مسبوقة في التاريخ، وربما بسببها، انتفض بدو سيناء مطالبين بحقوقهم الطبيعية في السلطة وفي الثروة، هذه الحقوق التي حرمتهم منها البيروقراطية المصرية على مر تاريخها.

وفي تلك الانتفاضة تبدى عجز اجهزة الامن واضحا، في الاعتصام على الحدود، وفي انتفاضة الماسورة. في الاولى، غادرت اجهزة الامن المكان دون أن تتجرأ على المواجهة، وحين جربت المواجهة في انتفاضة ميدان الماسورة منيت بهزيمة مدوية. اذ بدا المشهد بالآلاف من رجال البدو وفتيانهم، في مظاهرة سلمية على ميدان الماسورة في رفح، فانقض عليهم عشرات الالاف من الضباط وجنود الامن المركزي، المدججين بشتى انواع الاسلحة والهراوات والعصي المكهربة، فقاوم البدو بالحجارة، وكانت معركة رجل لرجل، استشهد فيها فتى بدويا في الرابعة عشر من عمره، واصيب اكثر من مائة من جنود وضباط الامن المركزي، بعضهم اصابات خطيرة، فغادروا الميدان في حالة فرار مزري.

بعد هذا المشهد، بدا النظام رسميا يفكر في تحسين عديد ونوعية قواته في سيناء لاعادة البدو بالقوة الى الحظيرة، وبدلا من التفكير في حلول خلاقة تكفل لم اطراف الدولة المصرية، وحل مشاكل سيناء، باعطاء ابناءها نصيبهم في السلطة وفي الثروة، بدأ النظام يحاول الربط بين بدو سيناء وتنظيم القاعدة، متهما سبعة من قبائل سيناء بالارتباط بفكر القاعدة. وحين فشل في هذا الربط هداه تفكيره إلى تلك الانفاق، مستغلا المطلب الامريكي والاسرائيلي، بضبط الحدود، فاخرج من جعبته حجة كان يخفيها للزمن، وهي ان عدد قواته لا يكفي لتامين الحدود من عمليات التهريب، رغم ان المعلومات المتداولة في اماكن التهريب تؤكد، على انه لا يتم تهريب قشة الا من تحت دقن النظام (وهو مثل بدوي يعني السيطرة الكاملة على عمليات التهريب).

كان النضال البدوي قد رفع مطلبا رئيسيا هو انهم لا يريدون ان يحكموا بواسطة ضباط الشرطة، وانما بواسطة الجيش المصري، لا رغبة منهم في الحكم العسكري، وانما كحل موقت، لينصب نضالهم في سياق نضال الشعب المصري، الى حين ازاحة هذا النظام واقامة دولة القانون في مصر، دولة لكل مواطنيها، ومن ثم عودة العسكر لثكناتهم، فالبدو من حيث المبدأ ليسوا ضد دخول الجيش المصري الى سيناء، هذه حقيقة لابد من التاكيد عليها هنا.

عمليات التهريب لن يتم إيقافها بزيادة عديد ونوعية القوات، رغم ان البدو ليس ضد زيادة هذه القوات، بشرط ان لا يكونوا هم المستهدفين من زيادتها وتحسين نوعيتها، كما هو الحال في الوضع الحالي، فعمليات التهريب يتم ايقافها بتوفر النية والعزيمة الصادقة من طرف النظام، وتقديم حلول لمشاكل بدو سيناء كحزمة واحدة، وهذه الحلول تبدا بخطوتين:

الخطوة الاولى: الاعتذار العلني لبدو سيناء، كما طالب الاستاذ فهمي هويدي، في واحد من مقالاته بجريدة الاهرام، والاعتذار ليس هو ذلك الذي يفعله المحافظ، بتلبية الدعوات للمشاركة في الولائم والجلوس على موائد الفتة مع شيوخ الحكومة ورجالها وتصوير هذه المشاهد وبثها عبر شاشات الفضائيات، بل يبدا بعمل لجان لدراسة الوضع في سيناء، ولجان موازية لرصد انتهاكات حقوق الانسان، ومحاكمة الضباط الذين اقترفوا هذه الانتهاكات، ورؤسائهم الذين اعطوهم الاوامر مثل عدلي فايد وعصام عامر وعلي مخيمر وعصام مهنا واحمد عليوه وغيرهم وغيرهم وكلهم من الذين تلوثت اياديهم بدماء ابناء سيناء. اضافة لتعويض ضحاياهم التعويض المادي والمعنوي المتوافق مع الاعراف الانسانية والشرائع السماوية.

الخطوة الثانية: مساواتهم مساواة ايجابية مع مشاركيهم في الانتماء للوطن المصري، عبر ازاحة القوانين العنصرية غير العلنية التي تمارس التمييز ضدهم، وتمنعهم من تملك اراضيهم ومن الالتحاق بالوظائف السيادية في الدولة، مثل القوات المسلحة والقضاء والدبلوماسية المصرية وغيرها، عبر منحهم نصيب في السلطة، ونسبة مئوية من الثروة التي تخرج من بلادهم، وتعويضهم عن سنوات الحرمان من هذه الثروة التي امتدت لخمسة وعشرين سنة، وتمليكهم اراضيهم وتطويع القوانين الرسمية لتتوافق وقوانينهم المحلية، وتعويضهم التعويض اللائق عن اراضيهم التي تم سلبها على مر السنوات الماضية.

[email protected]

(*)ينشر بالتزامن مع شفاف الشرق الاوسط ودورية المجتمع المدني

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create