باكستان وميانمار ومصر: نساؤهم… ورجالنا!(*)

نوفمبر
17

بقلم  د.سعد الدين إبراهيم    ١٧/١١/٢٠٠٧

تراجع الجنرال برويز مشرّف عن قراراته بفرض الأحكام العرفية وتأجيل الانتخابات البرلمانية وإصراره علي الاحتفاظ بالزي العسكري وقيادة أركان الجيش الباكستاني مع رئاسته للجمهورية.

وجاء هذا التراجع في أعقاب احتجاجات شعبية واسعة النطاق، انفجر بعضها إلي اشتباكات سالت فيها الدماء بين قوات الأمن والمتظاهرين.

كذلك كان لانضمام العواصم الغربية إلي قائمة المحتجين علي فرض الأحكام العسكرية تأثيره في تراجع الجنرال مشرّف عن خطواته، التي رأي فيها الجميع في الداخل والخارج مظهراً لاستماتة الرجل علي الاستمرار في احتكار السلطة، حتي لو خربت باكستان.

وما كان لهذه الاحتجاجات الشعبية أن تؤتي ثمارها في تراجع الجنرال مشرّف إلا بفضل صلابة زعيمة المعارضة بي نظير بوتو. فهذه المرأة نشأت في أسرة سياسية مرموقة، حيث كان أبوها، ذو الفقار علي بوتو، زعيماً لحزب الشعب الباكستاني ورئيساً للوزراء، إلي أن انقلب عليه الجنرال ضياء الحق، وأعدمه بعد محاكمة صورية في سبعينيات القرن الماضي. وكانت الابنة بي نظير، تدرس وقتها في جامعة هارفارد.

ورغم صدمتها وحزنها لإعدام أبيها، بعد تلفيق تهم له بالفساد والخيانة، فإنها خلعت ملابس الحداد، وتركت الدراسة ونزلت الميدان لتنصف أباها وتقتص ممن قتلوه وأدي بها ذلك السعي شيئاً فشيئاً إلي العمل السياسي. وقادت حزب الشعب، وشاركت مع قوي وأحزاب أخري إلي أن أقصت العسكر عن السلطة.

 وعاد الحكم الديمقراطي إلي المدنيين وفازت بي نظير بوتو في الانتخابات وأصبحت رئيسة للوزراء مرتين، حيث تداول حزبها السلطة مع حزب سياسي مدني آخر هو حزب الجامعة الإسلامية، الذي يرأسه حالياً نواز شريف، والذي انقلب عليه الجنرال برويز مشرّف واستولي مع طغمة من العسكريين علي السلطة، بعد مسرحية هزلية، في أكتوبر ١٩٩٩، وكالعادة بعد كل انقلاب عسكري في باكستان يتهم الحكم المدني ورموزه بالفساد. وتوجس نواز شريف أن يحدث له مثلما حدث لذو الفقار علي بوتو، من محاكمة صورية ثم الإعدام، فهرب إلي الخارج حيث منحته السعودية حق اللجوء السياسي.

وكالعادة بعد كل انقلاب عسكري في باكستان، يجيد العسكريون الضبط والربط، وتحسين المرافق العامة، ويشعر المواطن العادي بتحسن ملحوظ في الحياة اليومية. ولكن ذلك يكون عادة إلي حين. فكما هو دارج في أحد الأمثال الشعبية المصرية، أن «الغربال الجديد له شدة»، ولكن بعد حين ترتخي شدة الغربال. وهذا ما حدث مع نظام برويز مشرّف بعد سنواته الخمس الأولي في السلطة، والتي قام فيها بإنجازات ملحوظة، وخاصة ما أشبع منها النعرة الوطنية، مثل دخول نادي القوي النووية، وحيث نجحت باكستان في امتلاك القنبلة الذرية.

 ولكن بعد ذلك وفي غياب المحاسبة والتداول الديمقراطي للسلطة، بدأت الأمور العامة تتدهور تدريجياً، ومن ذلك الانفلات الأمني في بقاع متعددة من باكستان، وخاصة في المناطق الحدودية مع أفغانستان، حيث يسيطر تنظيم القاعدة.

 أي أنه حتي مقايضة الضبط والربط، و«القنبلة الذرية» في مقابل استلاب الحريات العامة للمواطنين، بدأت الطبقات الوسطي الباكستانية تتبرم من نظام مشرّف. وكان القضاة والمحامون هم الأكثر تعبيرا عن وطأة غياب الحريات العامة، وبدلاً من أن يستجيب مشرّف لمطالب القضاة والمحامين اختار الصدام، بهم، فخرجت المظاهرات الصاخبة تضامنا مع القضاة وتضاعف الغليان الشعبي.

ولكن الجماهير الغاضبة تحتاج دائماً إلي قيادة أو قيادات، تبلور هذا الغضب إلي حركة منظمة، وبرنامج سياسي ومطالب محددة. وهنا بدأت الجماهير الباكستانية تبحث عن قيادات سياسية، ولبّت بي نظير بوتو النداء وعادت من منفاها لتقود حزبها، وتطالب بعودة الحكم المدني الديمقراطي. ولخصت مطالبها المحددة تجاه الجنرال برويز مشرّف في مطلبين محددين:

الأول: أنه إذا أراد الاستمرار في العمل السياسي، فعليه أن يتخلي عن موقعه في الجيش، كرئيس للأركان، وأن يخلع زيه العسكري ويصبح مدنياً. وبهذه الصفة، أي كمواطن مدني، من حقه كغيره من المدنيين، أن يعمل بالسياسة من بابها الأمامي الشرعي.

المطلب الثاني: هو إجراء الانتخابات البرلمانية التعددية في موعدها المحدد، وتحت إشراف أو في وجود مراقبين دوليين، في الأسبوع الأول من يناير ٢٠٠٨.

وتظاهر الجنرال مشرّف بالاستعداد لتلبية المطلبين، بل ذهب إلي دولة الإمارات سراً، حيث تقابل مع بي نظير بوتو، لمحاولة توفيقية يتقاسم فيها السلطة معها، هي كرئيسة للوزراء، وهو كرئيس للجمهورية، مع احتفاظه بموقعه كرئيس للأركان. ومع رفضها ذلك، تظاهر بالاستعداد للتخلي عن منصب رئيس الأركان، ولكن بعد أن ينتخبه البرلمان رئيساً للجمهورية. ووافقت بي نظير بوتو، ولأن حزبها يمثل أكبر كتلة في البرلمان فقد كان ذلك حلاً توفيقياً يحفظ ماء الوجه لكثير من الأطراف، ويجنب باكستان استمرار القلاقل، ويحقن الدماء.

 ولكن بعد أن انتخبه البرلمان في أكتوبر الماضي، استمر يناور حول تنفيذ مطلب التخلي عن منصب رئيس الأركان. وقال إن الزي العسكري بالنسبة له مثل جلده، والتخلي عنه هو بمثابة سلخه. ولما أصدرت المحكمة العليا حكماً بعدم جواز الجمع بين المنصبين، ارتكب مشرّف حماقة إضافية، بعزل قضاة المحكمة وإعلان الأحكام العرفية

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create