روايته طلعة بدن آخر غير الذي نعرف: مسعد أبو فجر: لم أفكر في البنية فقط دونت حكاياتي (*)

ديسمبر
10

نائل الطوخي

البدو يكتبون روايتهم . هذا هو الانطباع الذي يصدمك بينما تقرأ الرواية الأولي للكاتب الشاب مسعد أبو فجر بعنوان طلعة البدن والصادرة عن دار ميريت مؤخرا. طوال الرواية تحس بشيء يتهددك، يتهدد روايتك الوطنية التي نشأت عليها وتم تلقينها لك. في طلعة البدن تقرأ تاريخا لأناس آخرين، منبوذين اقتصاديا وسياسيا وجغرافيا، هم بدو رفح المصرية والذين ينتمي إليهم مسعد أبو فجر. لا يعترفون بالحدود التي نعترف بها، ولم يقرأوا التاريخ الذي قرأناه، وعندما يقرأونه يرفضونه لأنهم يجدونه محملا بالعنصرية ضدهم. بمناسبة صدور الرواية كان لنا مع كاتبها هذا الحوار: 
-أعتقد أنه يجب أن نبدأ التجربة من بدايتها، فترة التكوين الثقافي في الصحراء؟
-تجربتي مثل تجربة أي بدوي. وجدت نفسي داخل المدينة بالصدفة، تعلمت بالصدفة، وكتبت بالصدفة. الشرق الأوسط تعامل مع الكتابة بوصفها طقسا مقدسا، وهذا تجلي في كتابة الأحجبة، عمل الكهنة. ولكنه تجلي أيضا في نظرتي للكاتب باعتباره شخصا غير عادي، العقاد مثلا لا يخطئ وفق معايير الأخلاق التي تعرفها أنت، وأنا بما أنني أخطئ فلن أكون كاتبا، إلي أن عثرت علي شخص يشبهني، بدوي مثلي هو إبراهيم الكوني. يكتب أشياء مثل التي أكتبها غير أن البداوة عنده هي تلك البداوة المطلقة. أما سيناء فليست صحراء مطلقة، أينما تسير ستجد نخلتين وبشرا. لم أجد أبدا بدويا يموت من العطش مثل بدو إبراهيم الكوني. ما حدث بعد ذلك هو أنني كتبت قصة، كانت أول قصة أكتبها في حياتي، قدمتها لمسابقة أخبار الأدب للقصة القصيرة ولم تفز ونسيتها، بعدها بحوالي ستة أشهر اتصل بي شخص ليخبرني أنها منشورة في أخبار الأدب. هذا كان الاعتراف الأول بكوني كاتبا، وكان لابد من أن يوازيه قرار آخر: قررت قراءة ألف رواية قبل أن أبدأ في الكتابة. لم يحدث هذا بالطبع. ولكن وقتها كنت أقرأ كل ما وقع تحت يدي.
– حسنا. لننتقل إلي طلعة البدن ، أول مشكلة تواجه القارئ أن روايتك عبارة عن كمية رهيبة من الحكايات يجمع بينها خيوط واهية بعض الشيء. ألم تفكر في بنية ما للعمل تجعله أكثر تماسكا؟
لم أفكرفي البنية مطلقا. كان لدي مخزون كبير من الحكايات الغريبة فكان لابد من أن أتخلص من مسئوليتها. لم أحب ان يكون ربيع الراوي هو المسئول عن الحكايات وإنما هو يقول أنه يحكي الحكايات كما سمعها. وكان تدخلي فيها قليلا جدا. كان هناك منطلق آخر لهذه الكتابة وهو الشعر المحلي/البدوي والأمثال والحكايات، أردت تدوينه والحفاظ عليه.
-كتبته بلهجة محلية تماما؟
سعيت إلي لغة وسطي. الشعر أصلا ملقي علي مسامع ناس يفهمون هذه اللهجة ولكن إذا حاولت إخراجه خارج هذه البيئة فلابد من استخدام أوصاف أكثر شيوعا. كان هذا من ضمن همومي في الرواية. محاولة تطوير اللهجة، لصالح اللهجة نفسها، خوفا من أن تنتهي أو تذوب.
-تستعمل الكاف في كلمة سيكارة مثلا والغين بدلا عن الجيم كما يفعل الشوام؟
لأننا ننطقها هكذا. هذه مشكلة العربية التي ليس فيها صوت ال g ولو كتبتها جيما سأنطقها علي هيئة j. عندما كنت أسمع في الماضي أم كلثوم تغني هل رأي الحب سكاري كنت أعتقد أنها تقصد السيكارة. وتضايقت عندما فهمت المعني، لأنه يخالف ما ألفت عليه.
-ربطت أنا هذه التفصيلة بنوع من انتماء ملتبس ؟
طبعا مشكلة الانتماء هي مشكلة أساسية، الإنجليز هم من وضعوا الحدود بصدفة تاريخية وأستطيع أنا أن أشكك فيها ألف مرة. هناك سؤال يكهربني كلما سألني إياه شخص ما في أوقات الاضطراب في غزة هو: هل يمتد الرصاص إلينا في رفح؟ وعندما أجيبه بالنفي يقول لي الحمد لله. هذه الحمد لله تكهربني. هذا الشخص قدس حدودا في عقله وعبدها، هذه الحدود قد لا تتعداها الرصاصة ولكن الصوت يتعداها، أبنائي لا يستطيعون النوم بسبب صوت النار. يا أخي الحدود هي نهاية المدي البصري الخاص بك أنت ولكنها ليست نهاية المدي البصري الخاص بي أنا أبدا. عندما أقول لضابط الأمن أنني من رفح يعتقد علي الفور أنني فلسطيني. 
– أضرت بك الحدود؟
بالطبع أضرت بنا اقتصاديا، حيث مجالات العمل أصبحت في اتجاه الغرب فقط بدلا من أن تصبح إلي الشرق والغرب. كما أنها أضرت بي أمنيا. أي ضابط بالطبع يريد أن يثبت أنه يعمل شغل ، وإذا لم يكن هناك شغل فلابد من خلقه. وبالتالي تتحول الناس من تلقاء نفسها لشراء السيارات من الإسماعيلية حتي لا تكون عليها أرقام سيناء وتسعي لاستخراج بطاقاتها الشخصية من أي مكان آخر غير سيناء حتي لا تتسبب في أي مضايقة لها. أنا واعي تماما لكمية التهريج التي وضعت بها الحدود. أكره كلمة دولة وكلمة وطن . أنا أحب كلمة البلاد . عندنا كبدو نسمي الأرض البلاد . علاقة الإنسان بأرضه عمرها آلاف السنوات بينما الدولة ابنة عشرات السنوات فحسب. الدولة، كمفهوم فلسفي، هي أبشع القيود التي اكتشفها الإنسان. 
– لنعد مجددا إلي الرواية. بين الحين والآخر، وحتي نهاية الرواية، نفاجأ بشخصية جديدة. الا تري ان هذا مربك قليلا بالنسبة للقارئ؟
أنا لم اكتب الرواية. الرواية هي التي كتبتني. لم أتحكم فيها ولا في الكتابة نفسها. باستثناء في النهاية. لم أنشغل بالروابط وإنما بتيمة الحدود، هؤلاء الأشخاص الذين تعد الحدود أهم منهم. أشخاص يكرهون الحدود لأنها في الرواية السائدة أهم منهم بينما هم من صنعوها، ولم تصنعهم هي. هم عدوانيون ضد الحدود وأنا كذلك، بالضبط مثل الجندي الذي يقولون
له أن سلاحه أهم منه، هذا الجندي يكون عدوانيا ضد سلاحه لأنه هو صانعه. بينما السلاح عند البدوي هو حبيبه، يتغزل فيه ويكتب اسم حبيبته علي كعبه. هكذا فالمنجز الأساسي للرواية أنها رواية حدود وليست رواية شكل. الرواية هي جنس أدبي علي وشك الاندثار، لذا لا أسميها أنا رواية، أسميها كتابة، أو حكي، سميها خرٌاف باللهجة البدوية.
-تقول أنك كتبت رواية ضد تيمة الحدود. هل كان ضروريا أن يخترق كثير من شخصياتها الحدود الشرقية بشكل فعلي لكي تفكك هذه التيمة، خاصة إذا كان سائر مصر ظل بعيدا عن عالم الرواية، أي أن الحدود بين البدو ومصر في الرواية مازالت قائمة وبقوة ؟
كل عمل فني يسعي لمطلق ما، ومع ذلك فانا ازعم أن هذه رواية حدودية، فعالمها هو عالم المنطقة الشرقية من سيناء التي تتماس مع فلسطين وتتشابك معها، وكل قبائلها لها امتدادات إنسانية وحضارية وديموجرافية مع فلسطين، بل إن اللجنة التي وضعت الحدود حرصت علي أن تضيف إلي بنود المعاهدة نصا يراعي هذا الوضع، وهو بالتحديد: أن يظل أهل المنطقة علي سابق عهدهم، مما يعني تنقلهم بحرية شرق الحدود وغربها، وظل هذا الوضع حتي سنة 48، تاريخ إعلان قيام دولة إسرائيل، ومنذ هذه اللحظة تحول ذلك المكان من منطقة إنسانية يعيش فيها بشر عاديون، إلي جبهة للقتال، وأصبحت هذه الجماعة البشرية ضحية حقيقية لتصادمات حضارية كبري، أريدك أن تضع نفسك مكان ذلك الشخص الذي وجد نفسه فجأة محاطا بالدبابات بينما هو يرعي إبله في برية شاسعة..
-تقدم عالما بكرا تماما في الرواية؟ كيف حافظت علي روايتك من إغواء هذا العالم، أي كيف تضمن أن القارئ يقع في حب روايتك ليس حب العالم الذي تقدمه؟
إذا وقع القارئ في غرام العالم الذي أقدمه ف يا فرحتي !! ليأت عندنا وأستضيفه وأطعمه من طعامنا وهو قليل بالمناسبة، قمح وحليب وماء وسكر، في روايتي كنت أفكر في همي وهم جماعتي، أنا هامش علي مستوي الحدود ولهجتي تقول إنني آخر بالنسبة للوطن الذي أنتمي إليه. هنا يعاملونني كأنني آخر مريب، بينما من هم مثلي في الخارج يعاملون كأنهم حراس الحدود. وهذا يؤلمني، ففي أعماقي أنا لا أخاف شيئا قدر خوفي من الضمير المصري، الضمير الذي صنعته أنا.
-تقوم في الرواية بنقض جميع الأساطير القومية، ولكنك تقيم أسطورة البدوي الخاصة. البدوي مثلا لا يترجل عن حصانه لكي يسأل آخر شيئا؟
نعم. هذا هو البدوي المطلق، وأنا احيانا أعمل علي هذه الفكرة، هذا هو بدوي إبراهيم الكوني. ولكنني أيضا قلت أن البدوي خسيس أحيانا، يخاف أحيانا أخري، يدخن البانجو ويزرعه، يمارس السطو والتهريب، ينصب علي السياح، وأحيانا يبيعهم الوهم، ربيع مثلا ظل ينصب علي توماس الذي يتعقب آثار د. فاوست. ولكن البدوي فعلا يعتبر نفسه محور الكون. يا أخي قارن بين إله البدوي وإله غيره الذي قد يكون علي هيئة طوبة أو حمار، أما هو فإلهه هو المطلق، المدي، ولولا أن الإله في الإسلام هو الإله المطلق لم يكن ليؤمن به.
-تفلسف الاقتصاد البدوي والسياحة عبر التفاصيل الصغيرة في حياة البدو مثل الطرينة الحشيش علي سبيل المثال. كيف يمكن استخدام التفاصيل الصغيرة جدا لخدمة التاريخ الأكبر؟
أنا أري أن الفنان هو من يسير بسيارته في اليسار دائما، لا أقصد اليسار بالمعني السياسي ولكني أقصد المخالفة. أنا نشأت وعشت و ذهبت إلي المدرسة تحت الاحتلال. انتظرت التحرير بفارغ الصبر وعندما جاء وجدت أنه ليس تحريرا. رأيت أن الدكتاتورية أسوأ من الاحتلال، لأنك في الاحتلال تقاوم. أنا أري أن العراقيين الآن أكثر حرية مما كانوا أيام صدام لأنهم يقاومون الاحتلال وهذا في حد ذاته حرية. فوق كل هذا فكلما صار هناك ضغط في البلد يقع عليٌ الضغط بشكل مضاعف لأنني أنا آخر السلم. أنا أري بعيني المجردة دولة عصرية جدا، أري أفخر سيارات العالم علي حدودي في حين لا أجد سيجارة، هذا مع التأكيد علي أنني طبعا ضد العنصرية الإسرائيلية وأعيها جيدا، وأعيها أكثر كحدودي، و هذا في النهاية يخلق معادلاته اللاشعورية لدي.
(*)نقلا عن جريدة اخبار الادب

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create