فصل من رواية (طلعة البدن) .

أكتوبر
22

 

لسان توماس، مثل الجرس على مؤخرة البغلة، لا يكف عن الحركة. وبالرغم من كلامه الذي لا يتوقف، وهذه صفة من لا يكتمون سرا، فقد كنت أحس أن ثمة سرًا لفه توماس بعناية، قبل أن يدسه في رأسه. يخرج أحيانا، يغيب أياما قبل أن يعود، ماذا يفعل حين يغيب.. وأين يغيب..؟ لا شك أنه يخبر عساف، ولكن بماذا يخبره؟ ثم ما موقع توماس من رفاقه، الذين لا يتركون فرصة إلا ويرسمون النجمة الخماسية، على حجر أو في مصب وادي.

   ولكي أعرف، ماذا يفعل توماس ورفاقه، استخدمت تكتيكا مصريا، عرفته حين قرأت، واحدة من قصائد عبد الرحمن الأبنودي، التي وجدتها في جريدة مطبقه، وملقاة في غرفتي في المدينة الجامعية:

قعدت معاه

وشربت معاه الشاي

قول اديته سجارة

وجرجرته في القول

….

هيرد يقول ايه

ما انا بديلوه القول مقفول..

     

   فشل هذا التكتيك، رغم أنني نفذت، خطوة خطوة، ما كتب الأبنودي، فاضطررت لاستخدام تكتيك آخر. كان توماس واقفا، يطبخ العدس ويوزع النكات، بينما عودة يُقطع العجين، لعساف الجالس جوار الصاج يخبز، وقفتُ جواره، وقلت إني أعرف خبر لو ساعدتني في تسويقه، لكسبنا الآف الدولارات. نظر إليّ توماس، سأل: وما هو الخبر؟

   قلت: لقد كان جدي، هو دليل د. فاوست، وأخذ مبلغا من المال، كان هائلا بمقاييس تلك الأيام، نظير أن يكون دليله في العام الذي يليه. ولأن فاوست لم يأت، وجدي، كما لابد أنك تعرف، نبيل من نبلاء الصحراء، فقد أورث أبي، الموضوع في صورة، وصية، مما جعل أبي يوصيني قبل أن يموت: خذنا مال من رجل اسمه التكتور فاوست، والمال (أمانة) يا وليدي يا ربيع، كلناه في بطونا، قبل ما نشتغل الشغل اللي خذنا المال قباله، إن جاك اللي يسعلك وين دق الرجل الثابوت، أثراه مدقوق ف المطرح الفلاني.. إلى هنا ورأيت العصافير تتقافز من عيني توماس، وهو يسأل: هل تعرف المكان بالضبط.؟ أي اعرفنه. رديت.

   توماس ورفاقه يقولون، أن لقاء د. فاوست الأول مع الشيطان، تم في مكان ما من سيناء عام 1927. اتفق د. فاوست مع الشيطان، أن يلتقيا في العام التالي، إلا أن فاوست مات قبل الميعاد بأيام. ولكنه، وقبل أن يموت، لم ينس أن يوصي رفاقه، أن يذهبوا ليقابلوا الشيطان، في نفس المكان.

   لم يقدر رفاقه، على تحديد مكان اللقاء بالضبط، فتبرع توماس بالبحث عنه. لذا وما أن وصلنا المكان، الذي اخترته، حتى شرع توماس، في رسم النجمة الخماسية، ثم قاس 216 مترا من الجبل، وأجرى بعض العمليات الحسابية، ليتأكد أن الشمس تتقاطع عمودية على النجمة، ثم دهن ستة أوتاد باللون الأصفر. زرع واحدا منها في قلب النجمة، والخمس المتبقيات، على روؤس أضلاعها، ثم عدنا إلى الكامب.

   غبنا أسبوعا كاملا، كان توماس أثناءه يجلس ع الماسينجر بالساعات، قبل أن نعود، توماس ورفاقه وأنا دليلهم، إلى مكان الأوتاد. صعدت أراقبهم من فوق الجبل بالمنظار الليلي، وهو الوحيد من عدتي الذي ينتمي لعدة الصحراء. لم استطع أن أركب مارادونا، ولم أهتم بأن يكون عندي كلاشينكوف. فقد عرفت وظائفي التي لن أقدر على أداء غيرها: دليل سياح أو بائع متجول أو مدرس للتاريخ الذي تعده الحكومة ليدرسه الأولاد.

   بدأوا صلاتهم، بإيقاد النيران في منتصف النجمة، ثم أشعل توماس عددا هائلا من الشموع، في اللحظة التي بدأ الكل في نزع ما يلبسه فوق السرة. أخذ توماس في ترتيل تمائم يستحضر بها الشيطان، بينما دخان الطرينة يصّاعد، حان ميعاد الرقص. كانت الطرينة قد لعبت بالروؤس، فشبك الرفاق أيديهم، وصاروا يلفون حول النجمة الخماسية، وهم يرقصون، إلى أن تمكن الإعياء منهم؛ فتساقطوا واحدا وراء الآخر.

   ألحت عليّ صورة أبي كما لم تلح من قبل، كانت لحيته ترتجف، والعروق الزرقاء نافرة في يديه وهو يشوح: ما بتعرف رب ولا لك دين ولا ملة، ربك هن الدراهم ما غيرهن.. ما تغِير لا علي عرض ولا علي أرض.. ثم يوجه الكلام لأمي التي انقضت تدافع عني: أثراه وده يسوي الغنايم.. كود منشانه لقى ع الجامعة، لا وحياة هاللحية.. غير المصرية اللي وده يجيني كتفها ع كتفه .. ولا شي.. هم هم هم هم ..  يا ريتني بولته ف شجرة.

   وبدلا من أن أعود كتفي ع كتف مصرية، وفق تعبير أبي، عدتُ بإجازة في التاريخ.. ظل أبي يسأل: ليش ما تشغلك الحكومة،

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create