ابراهيم عيسى يكتب عن رواية طلعة البدن!

نوفمبر
25

 

 

 

طلعة البدن.. ونزول الوطن!

إذا أردت أن تعرف ماذا يحدث في سيناء الآن من غضب البدو ضد جهاز الأمن وخطف قبائل سيناء لرجال الشرطة.

إذا أردت أن تفهم سر هذا الصراع المشحون بالدم والمفخخ بالانتقام والعداء بين رجال سيناء وبدوها وبين الشرطة وقواتها وضباطها وعساكرها.

اقرأ هذه الرواية.

الغريب (وغريب ليه صحيح؟) أن مؤلف الرواية في سجون الداخلية منذ ديسمبر 2007.. شهور طويلة في المعتقلات دون تهمة ودون محاكمة وإذا كانت هناك عشرة أسباب مزعومة لاعتقاله من وجهة نظر الداخلية فمن المؤكد أن هذه الرواية هي السبب رقم واحد وعليك أن تتوقع الأسباب التسعة الباقية.

عنوان الرواية هو «طلعة البدن» وهو اسم جبل في سيناء والمؤلف هو الكاتب الكبير ابن سيناء والبدوي العظيم مسعد أبو فجر، لقد عرت صفحاتها هذا الظلم وتلك القسوة المرعبة التي يتعامل بها رجال الشرطة مع البدو في سيناء.. فكأنك تعيش مع صفحات الرواية مأساة ومعاناة بدو سيناء من واحد منهم يري ويعرف ويحيا ويروي… مثلاً (ذهب قطيفي برفقة الشيخ إلي النقطة، أدخلوه إلي الخيمة، وصرفوا الشيخ ووعدوه بأنهم سيطلقونه بمجرد إخبار القيادة ولن يتأخر كثيرًا، ما إن تواري الشيخ حتي أتوا بقطيفي، شدوا وثاقه، ألقوه علي وجهه أمام الخيمة، ويداه مربوطتان إلي ظهره، صاروا يكيلون الركلات إلي وجهه، حتي سال الدم من أنفه وفمه.في صباح اليوم الثاني، فكوا قيده، وغطوا عينيه وجروه إلي خيمة فخمة يجلس فيها رجل تلمع فوق أكتافه النجوم الصفراء، كان خمسة من الجنود يقفون أمام الخيمة ينتظرون أوامره، حين صار قطيفي أمامه، صرخ الضابط: بتعمل إيه في إسرائيل يا ابن الكلب؟ رد: قوطرت للعقبة ما قوطرت لإسرائيل. إنت بتبربر بتقول إيه، ما تتكلم عربي يا (…) أمك، كنت بتعمل إيه في إسرائيل؟ يرد: أنا ما لقيت ع إسرائيل، أني لقيت ع العقبة، وبضاعتي شاهدة.. لم يكمل قطيفي العبارة، جاءته لكمة علي وجهه كادت تطرحه أرضًا، تماسك، جاءته التالية فسقط علي وجهه.. فتشوا (…) هتلاقوا الجهاز مخبيه فيها، وإن مالقيتوهوش هاتوا أمه، هتلاقوها مخبياه في (…)، أصل أنا عارفهم العرب دول ولاد «ش…» خونة، ومالهومش دين.. اليهود…. استحلوا «…» اليهود، عشان كده همه بيحبوهم. رفع جندي ثوب قطيفي فانتفض محاولاً الوقوف، جلس ثان علي رأسه، وثالث علي ظهره.. وأمسك الرابع برجليه، رفع ثوبه. مالقيناش حاجة يافندم.. ارموه في الخيمة زي الجدي، وهاتوا أمه هنا).

هذا المشهد في رواية مسعد أبو فجر التي صدرت عن دار نشر ميريت يقدم خلاصة القمع الأمني تجاه المواطنين في مصر وهو قمع يومي ومنظم، قد تقول: وما الجديد، فهذا يحصل كل يوم في كل قسم في البلد؟

الحقيقة نعم هذا القمع والتعذيب سياسة يومية للشرطة لكن حدوثه في سيناء يتميز بكارثتين:

الأولي: أنه يتم تحت مبرر يبدو وطنيا لرجال الشرطة، فالبدو من وجهة نظرهم خونة، وهو مبرر يصطنعه الأمن ليبرر لنفسه ارتكاب أعمال وحشية وحقيرة، ويسوق ويروج لمبرراته ويختلط كلامه مع مشاعر ضغينة وحكايات شعبية ملوثة بالكذب والزور، وإذا كان هذا التعذيب مرفوضًا أساسًا وكلية في التعامل حتي مع الجواسيس فمابالك بمواطن مصري.

الكارثة الثانية: أن أسلوب القهر والقمع الذي يحترفه ويؤمن به معظم رجال الشرطة (هناك استثناءات كأي مجتمع إنساني) يخيل علي البحاروة وكذلك أهل البندر والدلتا ويتلقون الضرب والإهانة بخنوع يشكك في مدي احترامهم لذاتهم وكرامتهم، لكن في الصعيد بدرجة ثم عند البدو بدرجة أوضح وأنصع فإن كرامة البدوي هي حياته ومن يمس طرف كبريائه فليس له إلا الموت، وهذا ما يجعلنا يوميا نري هذا التصادم بين جهاز يري التعذيب والإهانة حقًا لكل ضابط بدبورة ومخبر بعصا، وبين بدوي يري المساس بكرامته عملا يسحب من مرتكبه حقه في الحياة علي وجه الأرض.

تأمل معي مسعد أبو فجر وهو يكتب في روايته (جردت مصر حملات هائلة لتجريد البادية من تبغها، عساف يري أنها وجدت في هذه الحملات، مظهرًا من مظاهر قدرتها علي القمع والإبادة.. ويضيف: كانوا في كل حملة يلوحون بإصبعهم، إننا نمتلك القدرة علي الإيذاء، والمزيد من السحق، والكلام لعساف، كانوا يجبرون صاحب التبغ علي قلع تبغه بيده.. أحدهم كان يقطع النباتات وهو يصيح: تحيا مصر.. فزغده الضابط: قولها من قلبك يا شيخ العرب).. ثم في موقع آخر (بدأ المساجين في ذكر أسمائهم وبلداتهم، تداخلت حروف «س ل م» في آذان الضخام الذين يطوفون بينهم ممسكين بالمطارق.. فهتفوا: كله سالم.. سليم.. سلمان.. وحين انتهي المساجين صرخ أكبرهم رتبة: كلكوا من هناك.. كلكوا من سينا.. الله أكبر.. عظيمة يا مصر ياللي مابتنسيش حقك أبدًا.. دول اللي خدوا السلاح مننا في سبعة وستين وباعوه لليهود.. ودلوقت اليهود بيحاربونا بيه).

مرة أخري أقول راجيًا قبل محذرًا: حرروا سيناء من القمع.. فسيناء ليست منتجعات شرم الشيخ ولا شواطئ الرفاهية والسياحة، سيناء وأهلها وبدوها حدود مصر وأمن مصر وضلع مصر وجبهة مصر ودم آلاف الشهداء فلايجب أن نسلمها لضباط سياستهم الأمنية قائمة علي أن كل من لايرضي عليه الباشا اللواء هو عدو لمصر وخائن للوطن.. ياربي لماذا تعتقد هذه الحكومة وذلك الحكم أن شرط حب الوطن هو الرضا بالضرب علي القفا!

 

جريدة الدستور 24/11/2008

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create