مسعد أبوفجر يكتب لـ«البديل» من سجن «أبو زعبل» البدو.. والكمين

ديسمبر
09

 

إسرائيل تركت لنا «حزام الأمان».. والحكومة نصبت لنا «الكمين»

 

 

 

 

مصر كانت لنا أيام الاحتلال: الأب المسافر الذي سيعود يوماً ما بالحلاوة وهدوم العيد.. وحين جاء لم نجد معه سوي الكمين
مثل أي احتلال حين يرحل يترك وراءه فضائل، تركت إسرائيل وراءها «حزام الأمان» وهو واحد من الرموز المهمة في فهم علاقة البدو بالكمين رأت البيروقراطية المصرية، أن إحكام سيطرتها علي سيناء، يتطلب تشديد قبضتها الأمنية، فكانت النتيجة: أعلي كثافة أمنية في العالم قياساً بعدد السكان، 13 قسم شرطة في شمال سيناء، التي يقل سكانها عن 300 ألف نسمة، وهو أقل من عدد سكان قرية في الدلتا أو الصعيد، تكفي لحراستها نقطة شرطة. وكان الكمين أبرز تجليات تلك الكثافة، وأبرز طرائف التعامل مع الكمين يمكن إجمالها في ثلاث:
1- أن يتصف من يمر بالكمين بواحدة أو أكثر من صفات المهابة، فيخافه رجال الكمين، فيمر مصحوباً بأكفهم المرفوعة بالسلام، موضوع المهابة في غاية الأهمية، في المجتمعات التي مازالت فيها العلاقات «قبل قانونية» مثل مجتمعات شرق المتوسط، للدرجة التي جعلت واحداً من أكثر حكامه ديكتاتورية، يخلع علي نفسه لقباً، لم يخلعه علي نفسه حاكم قبله: «المهيب».
2- أن يكون وضع من يمر بالكمين قانونياً، وهو ما يصلح كقاعدة للعلاقات في المجتمعات التي يكون فيها القانون، هو الميزان الأهم لضبط العلاقات، بين المواطنين بعضهم البعض من ناحية، وبينهم وبين قوي السلطة من ناحية ثانية.
3- أن يقوم من يمر بالكمين بدفع مبلغ من المال لرجال الكمين، يتناسب هذا المبلغ عكسياً وموقفه القانوني، وطردياً ووضعه الاجتماعي.
بالطبع الطريقة رقم 1 لا تتناسب وأي بدوي، فليس في 99% منهم أي من صفات المهابة، وحتي لو تواجدت صفة أو أكثر من صفاتها، فإن هناك تكنيكات للعب بها، وهي فوق قدرة أي بدوي علي اللعب، مثلاً: لي ابن عم هو الوحيد في عشيرتنا الذي له بعض مواصفات المهابة، طويل وأبيض والأهم عيونه ملونة، حتي ليبدو وكأنه من سلالة مملوكية أو تركية لم تشبها شائبة اختلاط مع جنس عربي أو أفريقي أو آسيوي، وفوق ذلك فهو وسيم جداً بحيث يبدو مثل ضابط أمن دولة، ويبدو أنه أدرك هذه الصفات في نفسه فأراد اللعب عليها، هنا اللعب بين طرفين:
الطرف الأول: ابن عمي، لعب وفق تكتيك، سيفضي به إلي وضع يشبه ما وصل إليه عبدالله بن قلابة، فحين سأله معاوية بن أبي سفيان: ماذا رأيت؟. رأيت الجنة يا أمير المؤمنين، رد ابن قلابة.. ما أظن ما تقوله حقا؟! علق معاوية.. اللعب هنا بين الاثنين علي السر. ولأن ابن قلابة هو الطرف الأضعف في العلاقة فسيضطر أن يعري سره: يا أمير المؤمنين إن معي من متاعها الذي هو مفروش في قصورها وغرفها!! اشرأبت نفس الخليفة، وقد اقترب من السر: وما هو؟ سأل معاوية.. اللؤلؤ وبنادق المسك يا أمير المؤمنين، رد ابن قلابة: شم معاوية البنادق فلم يجد لها ريحاً، وهكذا علي ابن قلابة أن يفضح سره، إجابة وراء إجابة وسؤالاً وراء سؤال إذ أمر الخليفة ببندقة منها فدقت، فسطع ريحها مسكاً وزغفراناً، وكانت النتيجة أن وقف ابن قلابة عارياً من كل أسراره- مصادر قوته.. عند هذا الحد قال معاوية: جنة مثل تلك ما أظن يعثر عليها بدوي مثل هذا!!
الطرف الثاني: رجال الكمين، اتبعوا مع ابن عمي تكتيكاً يشبه تكتيك البدوي حين رأي البحر للمرة الأولي. في التية، رائعة عبدالرحمن منيف، ظل البدوي يجري علي الشاطئ رايح جاي وبعد مرة أو مرتين بدأ يلعب مع البحر لعبة الملامسة، كانت أول لمسة لمسها للبحر سريعة جداً ولكنه أدرك أن البحر غير ضار وبعد لمسات متوالية تزيد مدة كل لمسة عن الأخري، وقف وأدخل كفه كله في الماء ثم كفيه، ثم رفع ثوبه وأدخل رجليه وفي الأخير تعري وصار يتبلبط فيه.
ابن عمي يمر بواحد من أخطر الأكمنة في سيناء مرتين كل يوم، واحدة في الصباح في طريقه إلي عمله، والثانية في المساء، أثناء عودته إلي بيته، أدرك السر الذي يحمله، الوسامة الفائقة فبدأ يشتغل عليها، يحلق ذقنه كل صباح يغسل أسنانه، يلبس جيداً، ويسرح شعره، هو يهتم بنظافة سيارته، وحين يقبل علي الكمين، يقفل الزجاج ويشغل التكييف، كل هذه تكتيكات بسيطة في الحفاظ علي السر، فماذا عن التكتيكات الأكثر تركيباً؟ الجدية والصمت مع إبداء درجة من درجات التبرم، ثم إسناد ظهره جيداً إلي الكرسي وشد الحزام.
أما رجال الكمين فاستخدموا معه تكتيكاً مضاداً في كل مرة يقتربون منه أكثر، وحين صاروا عنده تماماً تجرأوا وسألوه عن الرخصة. وفي اللحظة التي رأوها، صار عارياً تماماً. أشاروا له نحو المكان الذي تركن فيه السيارات لتفتيشها. طلبوا منه أن يوقف سيارته وينزل ليكلم الباشا. كان الضابط يجلس في ظل شجرة وإمعانا في إضفاء درجة من السرية والرعب يضع نظارة سوداء علي عينيه. ولما سار ابن عمي سأله: إنت حكايتك إيه بالظبط؟ وسؤال وراء سؤال وإجابة وراء إجابة صار ابن عمي واقفاً وسره ملقي عند قدميه.
فإذن السياق رقم «1» سياق المهابة غير صالح، والسياق رقم «2» مستبعد تماماً. لأنني إن تكلمت عن علاقة يحكمها القانون، بين البدوي والكمين، فكلامي سيكون أقرب لثغاء الماعز منه لكلام الناس. ومن ثم فسوف أدخل مباشرة في السياق رقم «3» وهو السياق الذي يفضله ويدفع نحو رجال الكمين، إلا أن البدوي ظل متمنعاً عن التعامل معهم عبره، وتمنع البدوي يمكن رصده في درجتين: الأولي: فقد رأي فيه

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create