تمارة و طلعة البدن… روايتان مصريتان رهن الاعتقال

فبراير
28

 

القبض على الروائي رامي المنشاوي فور صدور روايتها «تمارة»، ولقي قبله الروائي مسعد أبو فجر المصير نفسه بعد أن صدرت روايته «طلعة البدن».

أصبحت ملاحقة المبدعين ظاهرة جديدة طرأت على المشهد الثقافي في مصر، بعد أن كانت المشكلة السائدة تتمحور حول القيود المفروضة من الرقابة على العمل الإبداعي، بالإضافة الى الصدام المعتاد بين المثقفين والمؤسسات الدينية، تماماً كما حصل مع رئيس «المجلس القومي للترجمة» د. جابر عصفور الذي غرَّمه القضاء مبلغ 50 ألف جنيه بعد مساندته، في مقال له في صحيفة «الأهرام»، الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي أمام هجوم الشيخ يوسف البدري.

أما اليوم فقد تحوّلت هذه الرقابة من القيود، التي تصل إلى المصادرة أحياناً، إلى ملاحقة المبدعين وسجنهم… والتهمة، رواية تزعج الأمن قليلاً!

انفجار إبداعي

يرى مراقبون للمشهد الثقافي في مصر أن الانفجار الإبداعي الذي راج أخيراً، بدأت انعكاساته تظهر في الواقع السياسي والاجتماعي، وأن عصر الرواية الغائبة والأدب المنعزل عن الجماهير أصبح على وشك الأفول، وبالتالي صار الخطاب الروائي الفاضح الذي بدأ يتجه إليه الروائيون الجدد قوة تزعج الأمن المصري. ويعتبر مثقفون كثيرون أن إجراءات الأمن «التعسفية» بحق المبدعين دليل قاطع على أننا ما زلنا متأخرين في صف الحضارة، فالكلمة لا تواجه إلا بالكلمة وحبس المبدعين جريمة في حق عقول الأمة.

في هذا السياق أكّد الأديب يوسف القعيد أن ملاحقة السلطة للمبدعين تأتي في ظل تردي الوضع الثقافي والحضاري الذي يمر به العالم العربي كله ومصر خصوصاً. وأرجع امتداد هذه الظاهرة إلى تقاعس المؤسسات المعنية بالشأن الثقافي عن حماية المبدع وضمان حقوقه الأمنية والمعيشية.

وتساءل القعيد، أين دور أعضاء «اتحاد الكتاب» و{المجلس الأعلى للثقافة»؟ وأجاب: «يكاد دورهم ينعدم في حماية الكاتب، بالإضافة الى أنهم لا يزالون، المفترض أنهم من كبار العقول، واقعين تحت تأثير البيروقراطية والروتين، فإذا سألنا «اتحاد الكتاب» عن أسباب عدم اتخاذه رد فعل حيال حبس رامي المنشاوي ومسعد أبو فجر سيجيب: إنهما غير مسجلين في الاتحاد!

ودعا القعيد المثقفين الى التحرك بسرعة لمواجهة الظاهرة، قائلاً: «كنا نعاني من محاصرة الإبداع قبلاً، وتطوّر الوضع بسبب التخاذل إلى حبس المبدعين كأنهم قتلة».

أما الناقدة والأديبة عفاف عبد المعطي التي تعرضت لتجربة الصدام مع السلطة فور أن أصدرت دار النشر خاصتها رواية «المسيح النبي المفقود» فأوضحت: «نشرت رواية «المسيح النبي المفقود» للكاتب أحمد الدبش فوجهت الكنيسة إنذاراً لي وطالبتني بسحب الكتاب من السوق، وعندما رفضت حققت شرطة أمن الدولة معي والكاتب، ولا يزال التحقيق جارياً».

أضافت عبد المعطي: «تمسّكي بعدم سحب الكتاب يأتي إيماناً مني بأن الفكر لا يرد عليه إلا بالفكر، أما المطاردات القضائية فهي أمر مرفوض تماماً، والإبداع يحكم عليه النقاد فحسب، لذا فإن ملاحقة الكتّاب من السلطات المصرية وسجنهم فعل لا أساس له من الصحة».

مؤسسات دينيّة

تطرقت عبد المعطي إلى المصادرة وفرض المؤسسات الدينية الرقابة على الإبداع قائلة: «المؤسسات الدينية سواء الأزهر الشريف أو الكنيسة ليس لهما الحق في المطالبة بمصادرة الأعمال الإبداعية أو الحذف منها». ودانت حال المؤسسات الثقافية «فالمثقفون في مصر لديهم مؤسسات ثقافية بلا ثقافة، ولا تتوافر مؤسسة تقدّم فكراً حقيقياً من دون محسوبية أو وساطة».

وأقرت عبد المعطي بأن الأجواء الثقافية تؤكد أن ظاهرة مطاردة الإبداع ستتفشى أكثر، ففي رأيها أن السلطة استطاعت إخضاع الإبداع، حتى مثقفين يساريين كثيرين يساندونها وهو ما يتسبب في انهيار الوضع الثقافي.

على رغم عدم اعتراضه على القضاء، قال الأديب جمال الغيطاني: «نأمل بعد تغريم د. جابر عصفور مبلغ 50 ألف جنيه ألا يتحوّل القضاء إلى آلة مهمتها مطاردة الأدباء».

بدوره أكد الروائي علاء الأسواني أن خضوع الروائيين لمباحث أمن الدولة يعتبر اعتداءً على حقوق المواطن المصري نتيجة استمرار فرض قانون الطوارئ وإطلاق يد سلطة مباحث أمن الدولة في اعتقال أي أحد من دون الرجوع إلى أي نوع من المراجعة القانونية. وحتى تسريح المعتقلين المبدعين بعد التحقيق معهم لا يمنع المطاردة المستمرة لهم.

ودعا الأسواني المثقفين ذوي الأسماء الثقيلة، بحسب وصفه، الى التكاتف للإفراج عن هؤلاء المبدعين، مشترطاً عليهم بدء العمل لإبطال قانون الطوارئ وقال: «دولتنا تطبق هذا القانون منذ 30 عاماً، وإذا كنا نهتم فعلاً بارتقاء الإبداع وحماية المبدعين، علينا أن نناضل لإلغاء قانون الطوارئ».

في سياق متصل رأى الناقد يسري عبد الله أنه على رغم خطورة هذه الظاهرة، إلا أنها تحمل بعض الدلالات الإيجابية في طياتها، لأنها «تشير الى تطوّر الرواية ومباشرتها مهمتها الاجتماعية، ومواكبتها الأحداث التي يمر بها العالم العربي. بالإضافة الى أنها تمثل صحوة النشر والانفجار الإبداعي التي يمر بها العالم العربي أخيراً، وانعكاساتها على تشكيل أعمال إبداعية ترصد الاغتراب والانعزال. لكنها تؤكد من ناحية أخرى حالة التردي الثقافي والمناخ الحضاري عموماً». 

جريدة الجريدة الكويتيه

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create