مسعد أبوفجر يكتب: زلزال البرادعي أزاح فكرة التوريث عن مقدمة المشهد

فبراير
22

 

النخبة في مصر مخترقة بالطول والعرض وغير مستعد للتضحية ولو بالقليل.. والناس نائمون

تبدو مصر مثل سيارة مشدود لها الـ «hand break» غير قادرة علي الحركة وإن تحركت يعير العبء هائلاً علي الموتور وعدم الحركة لسنوات طويلة حولها لبيئة خانقة وأضيق من أن تتسع لواحد بحجم البرادعي- الذي جاء إعلانه عن رغبته في الترشح للرئاسة، بمثابة زلزال بقوة 6 ريختر رج الأرض تحت النظام. وأهم نتائجه أنه أزاح فكرة التوريث عن مقدمة المشهد، وربما ينجح في وأدها إلي الأبد.

التوريث هو الزاوية التي يعمل عليها النظام خارجياً وداخلياً والموافقة بإسفاف علي كل طلبات إسرائيل لضمان موافقتها في المفاوضات مع الإدارة الأمريكية علي قبول الوريث.. هذا خارجياً أما داخلياً فقد تم تكبيل الدولة بدستور وصفه أحد الخبراء بالتلوث الدستوري وواصل قتله لكل من يطرح نفسه بديلاً سحق نعمان جمعة وأبعد عمرو موسي، وحط أيمن نور في الزنزانة، بعد أن أجبره علي الوقوف حافياً أكثر من 3 ساعات في ميدان التحرير لتفرج عليه الخلق.

تغول النظام علي الداخل ليس مؤشراً علي قوته، بل علي درجة الضعف الشديد التي هوي إليها الداخل، ودليل ضعف النظام أنه لم يستطع أن يظهر «العين الحمرا» للبرادعي أو استقطابه، واكتفي بأن أطلق عليه أشباه صحفيين يفرشون له الملاية. وخرج البرادعي أكثر قوة وفي المقابل ازداد النظام انكشافاً وشيخوخة.

البرادعي يري في مصر دولة كبيرة، يمكنها أن تدخل عصر الحداثة خلال عامين علي الأكثر يقول: «إذا أردنا أن نبدأ بداية حقيقية يجب أن نضع دستوراً جديداً» هذا مشروع تغيير جذري.. ولكن ماذا عن آليات تنفيذه؟ «هاشتغل مع الناس» يجيب البرادعي دون أن يوضح من هم الناس الذين ينوي أن يشتغل معهم.. النخب أم الناس العاديون؟ في تصوري يقصد القابل للحركة من الشريحتين، النخب، إجمالاً، مخترقة بالطول والعرض، وغير مستعدة للتضحية بمصالح صغيرة مع النظام، في رهان غير معروفة نتائجه ومنها تيارات أعلنت رفضها للبرادعي، ورأي فيه أحدهم أنه أشد خطورة علي مصر من جورج بوش.. والناس لم تنجح حركة «كفاية» بكل بكارتها، ولا حركة القضاة بكل هيبتها، في تحريكهم.

هم غير قادرين عليأي تحرك منظم، وأي حركة منهم ستكون في شكل هياج ستعيد القري الصلبة إليه العقل في ثلاثة أيام . الناس جسد ميت، لم يقدر النبي موسي ومعه مدد من السماء، في ضخ الروح فيه، فهل ينجح البرادعي فيما لم ينجح فيه النبي موسي؟! «لدي أمل» النبي موسي ذهب إلي فرعون، هو شيء قريب، مما فعله هيكل لما طلب من رأس النظام إجراء تعديلات البرادعي قلب الطاولة وانقضب إلي الناس مباشرة.

إذا كان الأمل مرافعاً في قدرة الداخل ناساً ونخب أن يكون دافعه لتغيير بالحجم الذي يطرحه البرادعي، فأن الخارج، أمريكا وإسرائيل لن يحتمل تغييراً في مصر بهذا الحجم فإقامة انتخابات نزيهة ستفتح الباب أمام جماعات الإسلام السياسي كما حدث في غزة والكويت والأردن والجزائر، وهي جماعات ستصطدم بأسئلة الواقع. وهي أسئلة لا توجد في ومرجعياتها وبناها الفكرية حلول لها وستضطر لشحن المجتمع نحو عدو خارجي، أمريكا وإسرائيل هذا غير مطلوب خارجياً علي الأقل في الوقت الحالي وقبل تسوية الملف الفلسطيني وأحياناً يقول لي رأسي؟! إن تلك الجماعات مطلوبة في سياق الفوضي الخلاقة. إنما ليس قبل إبعاد الملف الفلسطيني عن الطاولة حتي لا تستخدمه تلك الجماعات في سحب مجتمعات الشرق الأوسط وراءها. من غير هذا الملف ستغرق في التفاصيل «إجبار الرجال علي إطلاق اللحي وتقصير الشوارب والثياب.. ومنع النساء من لبس السونتيانات» ولأنها تنطلق من المطلق لن تنجح في إزالة الفوارق والتباينات الموجودة في المجتمع لذا ستدخل في صراعات فقهية ومسلحة مع بعضها «الصومال وأفغانستان مثلاًِ» وهي صراعات ستنهكها وتنهك المجتمع حتي يصير مهيئاً لهضم قيم الدولة الحديثة. عموماً المؤشرات كثيرة علي عدة تكتيكات يتم تجريبها في الشرق الأوسط «غزة وإيران واليمن والعراق والسودان ومصر والجزائر وحتي مورتانيا».

وهذا يقودنا إلي أن الدعم الخارجي للنظام ليس مفتوحاً وبلا حدود.. كيف؟ إليك الحكاية الآتية: كان رجل ماسك طبلة يقف في أحد أركان ميدان التحرير قدامه صاج مرفوع قليلاً عن الأرض فوق الصاج كتكوت. يرفع الكتكوت رجلاً ويحط الأخري بينما الرجل يقرع الطبلة. الواقفون يظنون أن الكتكوت يرقص علي إيقاع الطبلة. الحقيقة أن تحت الصاج وابور جاز يطلع حرارة بدرجة معينة. وحين يحط الكتكوت رجله علي الصاج يحس الحرارة فيرفعها ويحط الأخري وهكذا يظل الكتكوت مثل عسكري أمن مركزي في وضع «مكانك سر» حتي يقوم الرجل وبحركة لا يراها الجمهور بإطفاء الوابور والكف عن التطبيل، ليستريح الكتكوت.. في رأيي العلاقة بين الخارج وأنظمة الشرق الأوسط ما عدا إسرائيل وتركيا شبيهة بعلاقة الرجل بالكتكوت.

لو سألني أحد النصيحة لقلت له علينا تقوية النسبي، العلاقة عكسية بين النسبي والمطلق فإذا قوي النسبي ضعف المطلق.. والعكس.. بالنسبي ستفكر مصر في الفوارق والتباينات بداخلها عبر إدارتها لا حسمها لمصلحة فصيل علي حساب آخر.. وإذا نجحت مصر سيخرج الشرق الأوسط من أزمته وسيفكر في حلول لصراعاته وفقاً لموازين القوي لا الأساطير.. مصر تحتاج مغامرة م
حسوبة بمقاييس فائقة الدقة، في كتابه «رأيت رام الله» يكتب الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي كيف أنه يريد أن يمسك رام الله مثلما يمسك طفل بقطة من ذيلها ويلفها في الهواء 5 لفات ثم يرميها قدام- بكل قوته وهو يصرخ- اجري .. هل يقدر البرادعي أن يترجم علي أرض الفراعنة، ما حلم به البرغوثي لرام الله؟ تلك أمنية تحتاج واحد فيه صفتان أن يكون فناناً رأيي أن الصفتين في البرادعي يقول: أشعر بالسلام الداخلي وأنا أسمع الموسيقي سواء الموسيقي الكلاسيكية أو موسيقي مايلز دينيس.. وهو ذو خبرات دولية وسياسية والأهم حداثية «أنا إن عندي مصداقية عالمية».

يقول ويضيف في موضع آخر تربطني علاقة بأكثر من 50 رئيساً في أنحاء العالم. البرادعي مثل شاحنة من طراز m92 ونبرة التحدي في كلامه تجعل ركبتي خصمه لا تقدران علي حمله، فهل يقدم البرادعي علي صياغة مشروع حضاري لمصر؟ سؤال يحتاج لآليات خلاقة لتنفيذه يقترح البرادعي إنشاء لجنة تأسيسية لصياغة ودستور جديد، علي أن تكون هذه اللجنة بالانتخاب المباشر. هذا قريب من اقتراح هيكل. هيكل يقترح علي الرئيس تشكيل اللجنة ونفس «الطرشة» التي قابلوا بها هيكل صدورها للبرادعي.
الدستور  22-2-2010
 

 

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create