حقائق وأكاذيب حول فرض حالة الطوارئ

مايو
18

قضى الأمر: وافق مجلس الشعب بأغلبية الحزب الوطنى الحاكم فيه على قرار رئيس الجمهورية بمد جديد لمدة عامين لحالة الطوارئ بعد إجراء تعديلات طفيفة فى المادة الثالثة من قانون الطوارئ الخاصة بالتدابير التى يستطيع رئيس الجمهورية اتخاذها أثناء تطبيقه.

وكعادة كل مد جديد للطوارئ كانت الحجتان الجاهزتان اللتان ترددهما الحكومة والحزب وأغلبيتهما فى البرلمان جاهزتين: الطوارئ لن تستخدم إلا لمواجهة الإرهاب والمخدرات، وأنها سوف ترفع فور الانتهاء من صياغة القانون الخاص بمكافحة الإرهاب.

والحقيقة أن الحجتين التقليديتين المكررتين لتبرير مد حالة الطوارئ تبدوان فارغتين من أى مضمون حقيقى، ليس فقط من كثرة ترديدهما من الحزب الحاكم وحكومته ومؤيديه ومريديه، ولكن أيضا لما بهما من تناقض فج والتفاف صريح على الوقائع الصحيحة.

فالقول أن الطوارئ لم ولن تستخدم سوى لمواجهة الإرهاب والمخدرات لا يجد فى الواقع العملى المصرى ما يصدقه سواء فى الماضى أو الحاضر، كما أنه يتناقض مع الوضع التشريعى المصرى فيما يتعلق بهذين النوعين من الممارسات الإجرامية. فمن ناحية الواقع العملى، لم تستطع الحكومة ولا حزبها الوطنى أن تطرح على البرلمان وعموم المصريين فيما يخص جرائم الإرهاب أو المخدرات أى إحصائيات محددة تؤكد تزايدها خلال العامين الأخيرين على الأقل اللذين مدت أثنائهما حالة الطوارئ بما قد يبرر مدها لعامين آخرين قادمين، وبدلا من هذا لجأت الحكومة ورئيسها ورئيس حزبها الوطنى ومساندوها إلى الحديث العام المرسل عن تزايد خطر الإرهاب والمخدرات على مصر.

والحقيقة التى تعلمها الحكومة ويعلمها كل مراقب مبتدئ للشئون المصرية هى أنه على صعيد العمليات الإرهابية حدث خلال الأعوام العشرة الأخيرة العكس تماما مما تزعمه الحكومة، حيث كانت مصر أقل دول المنطقة المحيطة بها تعرضا لها، فهى بخلاف العمليات الكبرى الثلاث التى وقعت فى سيناء أعوام 2004 و2005 و2006 والتى يحيط الغموض حتى اليوم بطبيعة فاعليها وهل هم من داخل مصر أم من دولة مجاورة لها، لم تتعرض سوى لثلاث عمليات صغيرة بدائية فى عامى 2005 و2009 أوقعت أربعة قتلى فقط وعدد محدود من الجرحى، ولم يثبت أن وراءها جماعات أو تنظيمات إرهابية كبيرة أو حتى متوسطة بل كانت أقرب للجماعات العشوائية الصغيرة.

ومما يؤكد هذا الانحسار لخطر الإرهاب فى مصر أنه خلال السنوات الطويلة التى مضت منذ وقوع مذبحة البر الغربى بالأقصر فى نوفمبر 1997 وإصرار الجماعة الإسلامية ومن بعدها جماعة الجهاد على المضى فى مسيرة المراجعات والرجوع النهائى عن العنف فكرة وممارسة، أن المحاكم المصرية لم تعرف سوى أربع قضايا لجماعات صغيرة اتهمت بالقيام بعمليات إرهابية. إذا، الواضح من تطور حالة الإرهاب فى مصر أنها تتراجع بصورة مؤكدة ولا يوجد أى مبرر لمد حالة الطوارئ بحجة مواجهتها. ولا يحتاج المرء فى هذا السياق أن يقارن بين التصاعد الخطير الذى عرفته بعض البلدان العربية فى عمليات الإرهاب خلال السنوات الأخيرة وبين التراجع الواضح الذى حدث فى مصر، وعدم لجوء أى منها إلى فرض حالة الطوارئ لمواجهة التحديات الكبيرة التى واجهتها ولا تزال، ولعل أمثلة المملكة العربية السعودية والأردن واليمن والجزائر والمغرب تبدو كافية فى هذا السياق.

وهنا قد يظهر الزعم بأن ما تحقق فى مصر من تراجع لخطر الإرهاب إنما هو نتيجة لفرض حالة الطوارئ، وهو زعم زائف حيث إنه خلال نفس الطوارئ تصاعد خطر الإرهاب بصورة غير مسبوقة فى الفترة من 1990 إلى 1997 وتراجع أيضا بصورة غير مسبوقة ولا مقارنة مع الدول المجاورة من هذا العام وحتى اليوم، وبالتالى فالأمر مرتبط بعوامل أخرى مختلفة ليس من بينها فرض حالة الطوارئ.

أما على صعيد تجارة المخدرات وخطرها على المجتمع المصرى، فلاشك أن هناك تزايدا فيها خلال الأعوام الأخيرة، إلا أنه من ناحية لا يمثل تفردا مصريا من بين دول المنطقة والعالم التى عرفته أيضا خلال نفس الأعوام، وهو من ناحية أخرى يرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية لا يمكن أن يلعب قانون الطوارئ أى دور فى مواجهتها.

فتصاعد تجارة المخدرات فى عديد من دول العالم وصل إلى مستويات أخطر بكثير مما هى عليه فى مصر، ومع ذلك لم يلجأ أى منها لفرض حالة الطوارئ لمواجهتها، وتكفى هنا الإشارة لدول مثل كولومبيا والمكسيك والولايات المتحدة الأمريكية نفسها والتى تعانى من أخطر عصابات تجارة وتهريب وتوزيع المخدرات على مستوى العالم، ولم تتحجج حكوماتها بذلك لكى تفرض حالة الطوارئ على شعوبها.

كذلك فما يعرفه وبدقة المسئولون عن مكافحة تجارة المخدرات فى مصر أن تصاعدها خلال الأعوام الأخيرة يرتبط بعوامل عديدة، بعضها ذو صلة بالأوضاع الاقتصادية فى البلاد وطبيعة نخبة رجال الأعمال فيها التى تؤدى ببعضهم إلى الانخراط فى تلك التجارة الممنوعة ذات المكسب السريع، وبعضها الآخر مرتبط بأحوال اجتماعية وأمنية متدهورة أدت بعديد من شرائح المجتمع المصرى الفقيرة والغنية معا إلى الانغماس فى إدمان مختلف أنواع المخدرات. ولا شك أن هؤلاء المسئولين يعلمون أكثر منا نحن جميعا أن ما يحويه قانون الطوارئ من صلاحيات للأجهزة الأمنية غير قادر على معالجة هذا العوامل، وإلا لو كان قادرا فكيف تصاعدت تجارة المخدرات فى مصر خلال الأعوام الأخيرة بالرغم من استمرار فرض الطوارئ لما يقارب الثلاثين عاما؟

ويزداد وضوح مدى هشاشة حجتى الإرها
ب والمخدرات لفرض الطوارئ مرة أخرى عند النظر إلى الإطار التشريعى المصرى الذى ينظم التعامل مع هذين النوعين من الجرائم ومعرفة المدى الذى ذهب إليه فى التعامل الصارم مع كل منهما. فبالنسبة للإرهاب، قد لا يعلم كثير من المصريين أن لدينا بالفعل قانون لمكافحة الإرهاب قامت إحدى حكومات الحزب الوطنى بتشريعه عام 1992 برقم 97، وهو تعديل بعض مواد قانون العقوبات بوضع تعريف شديد الاتساع للجريمة الإرهابية وتفصيل مبالغ فيه فى أنواعها وتشديد لا سابق له فى العقوبات المقررة لها وفى مقدمتها الإعدام الذى وضع كعقوبة لكثير منها. وقد قام مجلس وزراء الداخلية العرب بتبنى التعريف المصرى الموسع للإرهاب الوارد فى هذا القانون كتعريف عربى له، وهو الأمر الذى دفع لجنة حقوق الإنسان فى الأمم المتحدة لتوجيه انتقادات واسعة وقاسية له نظرا لتوسعه الشديد وافتئاته على الحقوق الأساسية للإنسان.

أما عن عدم الانتهاء من صياغة قانون جديد مخصص لمكافحة الإرهاب بعد أكثر من خمس سنوات من البدء فيه وتشكيل عديد من اللجان المتخصصة لذلك قامت بعدة بزيارات لدول العالم للتعرف على تجربتها فى هذا المجال، فهو فى الحقيقة زعم يفتقد إلى الصدق والشفافية، حيث تؤكد معلومات كثيرة أن صياغة مشروع القانون قد انتهت قبل أكثر من عامين، إلا أن الحكومة تمتنع عن تقديمه للبرلمان تمسكا منها بالطوارئ التى تمنحها مساحة أوسع من الإجراءات الاستثنائية فى التعامل مع خصومها السياسيين وليس مع الإرهابيين وتجار المخدرات.

وبالنسبة لتعامل القانون المصرى مع تجارة المخدرات، فطلاب السنوات الأولى فى كليات الحقوق يعرفون جيدا كم هى صارمة العقوبات والإجراءات الموضوعة فى القوانين المصرية لمواجهتها، وصولا إلى عقوبة الإعدام لجالبى ومهربى المخدرات والسجن المؤبد للاتجار فيها وغيرها من عقوبات أخرى صارمة لتوزيعها وحيازتها وتعاطيها، فما هى الحاجة إذا لقانون الطوارئ فى مكافحة هذه التجارة الخطرة؟
الحاجة الحقيقية لحالة الطوارئ ليس هى مواجهة الإرهاب والمخدرات، وإنما هى حاجة نظام سياسى ولد وتطور وعاش فى ظلها وبقوة مواد القانون الذى يطبق فى ظلها.

فقد ولد النظام نفسه ضمن حالة الطوارئ التى أعقبت اغتيال الرئيس السادات، وأتت فترة إرهاب التسعينيات لكى تعطيه مزيدا من الحجج والاقتناع الذاتى بضرورة استمرار الاعتماد عليها، ثم جاءت السنوات العشر الأخيرة التى اختفى فيها الإرهاب وازدادت غربة النظام عن غالبية الناس فى مصر بفعل سياساته الاجتماعية والاقتصادية لكى تجعل من حالة الطوارئ الجدار الرئيسى الذى يظن أنه قادر على حمايته من الغضب الشعبى الذى راح يحيط به من كل جانب.

فتتبع تاريخ حالة الطوارئ فى مصر منذ فرضها للمرة الأولى عام 1914 يوضح أنها فرضت لمدة 17 عاما متقطعة حتى وقوع ثورة يوليو 1952 بسبب وقوع حربين عالميتين وحرب فلسطين وحرق القاهرة، ثم فرضت فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر بمناسبة حربين ورفعت لنحو أربع سنوات من إجمالى 18 عاما هى مدة حكمه، وذلك على الرغم من أنه لم يكن نظاما «ليبراليا» ولم تكن الديمقراطية السياسية واحدة من أعمدته، وجرت العادة على وصفه بالعهد «الشمولى».

بالمقابل شهد العصر الذى يرى نفسه «ليبراليا وديمقراطيا» الذى شمل حكمى الرئيسين السادات ومبارك أطول مدة فرضت فيها حالة الطوارئ بالرغم من وقوع حرب واحدة هى حرب أكتوبر 1973 التى أعلن الرئيس السادات وتبعه الرئيس مبارك أنها آخر الحروب.

بهذا التطور للطوارئ يكون عهد الرئيس مبارك هو الوحيد بين كل من تولوا حكم مصر منذ بداية القرن العشرين الذى استمرت حالة الطوارئ مفروضة خلاله بدون انقطاع ولو ليوم واحد، واستأثر وحده بتسع وعشرين سنة من عمر الطوارئ فى مصر البالغ سبعة وستين عاما أى بنسبة تزيد عن 43%، ويكون عهده المسمى بالليبرالى هو أكثر عهود مصر الملكية أو الجمهورية فرضا لحالة الطوارئ.

وتبدو هنا المفارقة صارخة، فالادعاءات الليبرالية السياسية لهذا العهد الطويل لم تترافق قط مع أى محاولة لإعادة البلاد لحكم القانون الطبيعى بل عرفت إصرارا حتى اليوم على وضعها تحت حالة الطوارئ الاستثنائية.

 ضياء رشوان
الشروق
 

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create