حين وضعوا الكلابشات في يداي..

ديسمبر
19

كان نضال بدو سيناء، للمطالبة بحقوقهم، قد بدا يوم 25 ابريل 2007، بسلسلة متواصلة من الاعتصامات والوقفات والمسيرات والمؤتمرات. وفي هذا السياق اتفق البدو على وقفة احتجاجية يوم 1 يناير 2008. كتبت على مدونتي خبرا عن الوقفة، واعلنت عن نيتي المشاركة فيها. ليلة 26 ديسمبر 2007، اي قبل الموعد بحوالي 5 ايام، كانت درجة حرارة رناد مرتفعة، وكنت وزوجتي نعمل لها ضمادات بالماء البارد، كنا ومازلنا نحاول مداواتها بالطرق التقليدية، محاولين قدر المستطاع الابتعاد عن كل ما هو كيمائي.
نسيت ان اقول، رناد هي طفلتنا، وكانت يومها في الثالثة من عمرها. كنا قضينا وقتا طويلا نبحث لها عن اسم. وضعنا شرطين: ان لا يحيل الاسم على اي ثقافة، وان يكتب بكل اللغات التي نعرفها، دون ان يتغير منه حرفا واحدا. الاسم مشتق من الرند، وهي شجيرة صغيرة الحجم طيبة الرائحة، تطلع في البادية. كان اجدادنا، البدو في سيناء، منذ اكثر من 2000 سنة، يعملون منها اكاليلا يضعونها على روؤس فرسانهم.
استسلمت رناد للنوم، وفي حوالي الساعة الثانية فجرا، سمعت طرقات عنيفة على الباب، فتحت فاقتحم البيت العشرات من رجال الامن بلباسهم المدني. قلت: ارجوكم بالداخل طفلة مريضة ونائمة. جمعوا كل شيء: الكمبيوتر والسي دهات والارشيف..الخ ولم يتركوا شيئا الا وقلبوه. حطوا الحاجات في جوال، لفوا يداي وراء ظهري، وقيدوني بكلابشات حديد. ثم اقتادوني..
تقريبا الساعة 18 يوم 13 يوليو 2010 افرجوا عني، وبين التاريخين، تاريخ القبض عليَ وتاريخ الافراج عني، قضيت 30 شهرا و 17 يوما كسجين فائق الخطورة:
1-تنقلت بين اكثر من سبعة اماكن، ثلاثة سجون واربع اماكن احتجاز، واحد منها كان مخزنا في بدروم واحدة من مديريات الامن، قضيت فيه عشرة ايام هي الاشد قسوة في حياتي.
2-اكثر من 20.000 كم عشتها متنقلا في صناديق سيارات الترحيلات، بينما يداي مقيدتان وراء ظهري بقيد الحديد.
3-اخرجت حكومتي لسانها لـ21 حكما وقرارا قضائيا بالافراج عني.
4-كومة امراض جلدية لم اشف من بعضها حتى اليوم.
السجون المصرية لا تنتمي لعصرنا، وسوف نظلم العصور الوسطى ان قلنا انها تنتمي لها. ننام اكثر من 40 واحد في زنزانة مخصصة لثمانية، ولم اكن ارى الشمس مطلقا، الا لدقائق كل 21 يوما حين ياتي اهلي لزيارتي. وفي ظل هذا الوضع غير الانساني، الذي يعتمد على فصل السجين عن العالم، يصير اهتمام العالم دواء يخفف الام الجراح. ما كان يفرحني بشكل حقيقي، ويرفع من روحي المعنوية، ويقويني امام سجانيَ، هو الاف الرسائل التي كانت تاتيني، عبر منظمة العفو الدولية، من كل انحاء العالم، واهتمامها، وغيرها من منظمات المجتمع المدني حول العالم، بقضيتي. والحاحها الدائم لابقائها حية، ثم ضغطها الذي لم يلين على حكومتي، حتى تم الافراج عني.

لا يوجد ردود

أضف رد

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create