مواضيع قسم ‘ابراهيم عيسى’

الحريه لمسعد ابو فجر … الكلمه الطوارئ السجن.

سبتمبر
13

لا أكاد أعرف كيف أبدأ كتابة هذا المقال؟! المداخل عديدة كي يبدأ تيار الكلمات والأفكار يتداعي وينساب، ولكن ثمة شئ ما يشبه الحجر الصوان يبدو وكأنه يثقل القلب بالأحزان، ويكسي الروح بالقتامة، ويضعف الإرادة بالعجز عن الفعل! حالة من العجز وعدم القدرة في موضوع يشكل مركز تداخل جميع مشاكلنا السياسية والثقافية والاجتماعية والأمنية، بل ماضينا القريب وحاضرنا ومستقبلنا! موضوع قرارات الاعتقال علي أساس سياسي، أو بعض التقديرات التي تراها الأجهزة الأمنية المختصة ضرورية ولازمة تحقيقاً للأمن، والحيلولة دون اضطرابه، أو اختلال موازينه.
علينا بداية أن نميز بين نوعين من قرارات الاعتقال علي سند من قانون الطوارئ.
أولاً: ظاهرة الاعتقالات الجنائية لتجار المواد المخدرة، أو لمن يمارسون البلطجة، وفرض السيطرة علي المواطنين قسراً، أو بهدف السرقة بالإكراه، إلي آخر أشكال السلوك الإجرامي الخطيرة.. إلخ. هذا النمط الإجرامي لا يثير محاكمة بعض المتهمين ومعتادي الإجرام ضجة إلا من زاوية ضرورة محاكمة المتهمين أمام قاضيهم الطبيعي، في محاكمات عادلة ومنصفة تتوافر فيها ضمانات الدفاع واستقلال القضاء. إن الاعتقال علي أساس جنائي في غير الحالات القانونية والواقعية لإعلان حالة الطوارئ يستثير الحس القانوني النزيه، وروح العدالة والإنصاف في محاكمة المتهمين، بل ويمتد إلي أنظمة معاملة المذنبين العقابية! إن نظام الطوارئ الذي حكم حياتنا طويلاً يشكل تهديداً خطيراً علي الحريات العامة والشخصية، من زاوية الإطاحة بضماناتهما الدستورية والقانونية، والأهم استخدامها كأداة رئيسة لإدارة الحياة السياسية، والآلة الأمنية في ظل ظروف لا توجد بها شروط الحالة الطارئة أو الاستثنائية، فلا كوارث طبيعية، ولا عدم استقرار واضطرابات شاملة، تؤدي إلي عدم قدرة أجهزة الدولة المختصة علي أن تواجه الطابع الاستثنائي للوقائع والحوادث الطارئة، من خلال منظومة الطوارئ!
تشير استمرارية حالة الطوارئ إلي خلل جسيم يعتور سياسة الحكم، أو كأننا إزاء ما يطلق عليه سوء الحكم، ومن ثم يتم اللجوء إلي نظام استثنائي، حتي يمكن من خلاله إدارة شئون المجتمع وأنظمته وأمنه وحياة «المواطنين» اليومية!
يمثل غياب الضمانات الخاصة باستقلال القضاء ومعاييره الدولية المقارنة أبرز سمات نظام الطوارئ الاستثنائي، ومن ثم يؤثر علي حقوق المتهمين، ويعصف بمبدأ محاكمة المتهم أمام قاضيه الطبيعي. انتقادات دستورية وقانونية عديدة حول نظام الطوارئ في مصر، وعلي ما يشوبه من اختلالات، وحول تطبيقاته العديدة والخطيرة، ومع ذلك لا تؤثر الخطابات القانونية والسياسية علي السلطتين التشريعية والتنفيذية وقراراتهما السياسية في هذا الصدد.
ثانياً: قرارات اعتقال الكتاب والسياسيين لاعتبارات تتصل بتقديرات السلطة السياسية لبعض الأنشطة السياسية المعارضة، أو لنمط من الكتاب الأحرار وذوي الرؤي النقدية للحكم وسياساته، أو لبعض نشطاء الجماعات الاحتجاجية والاجتماعية المطلبية الجديدة.. إلخ!.
تستند قرارات اعتقال المعارضة السياسية، وإحالتها للقضاء الاستثنائي، إلي إعلان حالة الطوارئ، أو صلاحية رئيس الجمهورية الواردة بالدستورية حول إمكانية إحالة بعض القضايا إلي القضاء العسكري. في الحالتين السابقتين انتقد علماء الفقه والمثقفون النقديون وغالب المعارضة السياسية، إحالة السياسيين إلي القضاء الاستثنائي لإخلال ذلك بقاعدة دستورية ألا وهي الحق في اللجوء إلي القضاء الطبيعي، ناهيك عن ضعف الضمانات القضائية. هذا النمط من استخدام الأدوات الاستثنائية يبدو بالغ الخطورة علي ضمانات الحرية، والأخطر علي روح الأمة، وقدرات مفكريها ومبدعيها علي الإبداع الفكري والسياسي، وقدرتها علي التجديد المستمر. فنتاج الأنظمة الاستثنائية طيلة عقود عديدة، تمثل في انحصاره في المجال السياسي، وهو ما يراكم الكراهية والبغضاء بين أطراف الحركة السياسية المعاقة أساساً، والواهنة في بنياتها وأفكارها واستراتيجياتها!
من هنا طالبنا مراراً وتكراراً بضرورة إنهاء نظام الطوارئ، لأن قواعد القانون العادي بها من الصلاحيات الواسعة للسلطة السياسية والإدارية والأمنية ما يسمح لها بمواجهة المصادر التي تهدد الأمن الداخلي، بما فيها الإرهاب، ولا ننسي أن ثمة تعديلاً كبيراً في قانون العقوبات تم في التسعينيات شمل سنّ قانون للإرهاب!
ثالثاً: يبدو لي أن ثمة حالة ملحة تفرض نفسها علي صانع القرار بحكم مسئولياته الكبيرة والمشاكل المعقدة التي تواجه بلادنا دولياً وإقليمياً وداخلياً، وهو ضرورة إجراء مراجعات أو تقويمات سياسية لبعض السياسات والقرارات بين الحين والآخر، وذلك لمعرفة أين العطب والخلل في بعض الأداء الحكومي، وكيف يمكن تعديل وإصلاح بعض الأخطاء. من أبرز الأمور التي تحتاج لمراجعة في بعض الأحيان، قرارات اعتقال أو استخدام العنف «المشروع» من الدولة إزاء بعض المعارضين، أو الكتاب والمبدعين. وفي هذا الصدد أعتقد أن استمرارية اعتقال الروائي مسعد أبو فجر علي خلفية بعض التظاهرات التي تمت في سيناء، تحتاج إلي مراجعة وتدخل من الرئيس «حسني مبارك»، واللواء حبيب العادلي، للإفراج عن مسعد، وذلك لاعتبارات عديدة منها:1- عدم تحقق الهدف من قرارات الاعتقال أو الاحتجاز، وهو احتواء أي خطر قد ينجم عن حرية حركة بعض الأشخاص أو الجماعات، وهو أمر مفتقد في حالة مسعد أبو فجر الذي لا يملك سوي كلمة، والتعبير عن مواطن
ينا وأهالينا في سيناء، وتعلم السلطة الأمنية المختصة أين يسكن، وكيف يتحرك.. إلخ.
2-صدور خمسة قرارات من القضاء بالإفراج عن الروائي «مسعد أبو فجر»، ومع ذلك تصدر وزارة الداخلية قراراً بالاعتقال! إذا كانت رسالة مصدري قرار الاعتقال، هو زجر وردع، والأحري عقاب الشخص موضوع الاعتقال عن القيام ببعض الأفعال السياسية الاحتجاجية كما في حالة مسعد أبو فجر، فقد وصلت الرسالة وثمنها فادح من حريته الشخصية.
3- لا توجد خصومة بين الدولة ومواطنيها، ومن ثم الدولة تطبق القانون علي المواطن إذا خالف أحكامه وقواعده، وترتب علي ذلك الدولة لا تثأر من مواطنيها.
4- سبق للقيادة السياسية والأمنية – الرئيس مبارك، واللواء العادلي – القول بإن الطوارئ لمواجهة تجار المخدرات والجرائم الخطيرة والمجرمين الخطرين، وما قام به مسعد أبو فجر لا يعدو كونه تعبيراً عن احتجاج علي بعض المشاكل التي يواجهها أهلنا ومواطنونا في سيناء. نعرف جميعاً حساسية قضايانا الأمنية، ولا سيما في سيناء، أو أي مكان آخر لأن حدودنا مقدسة، ولا نقبل المساس بها تحت أي مسمي، أو مبرر ومن أي شخص أو جماعة أو دولة أياً كانت. من هنا تبدو حساسية موقف مسعد أبو فجر السيناوي المبدع، احتج كحادي القبيلة علي بعض الأوضاع التي تحتاج إلي معالجة من الدولة، ولكن دوره كمثقف ومبدع هو صوت الجماعة إلي جانب شيوخ القبائل، وهو تغير في بنية السلطة القبلية التقليدية. فإن استمرارية حرمان أسرة مسعد، وغيابه عن طفلته الصغيرة وزوجته يشكل عقاب آخر لهما، وتحتاج إلي تدخل الرئيس مبارك واللواء حبيب العادلي للإفراج عن مثقف لا يملك سوي قلمه وصوته.
إن التعامل مع قضايا سيناءيتحتاج إلي حكمة وحزم وحسم في حل المشاكل التي يواجهها أهلنا ومواطنونا، وذلك دعماً للتكامل الوطني، وتحقيقاً للأمن القومي المصري الذي يواجه تحديات عديدة علي حدودنا. الحرية لمسعد أبو فجر وسجناء الضمير، والإفراج عنه يحتاج لقرار سريع، و نحن نثق في صدوره من الجهات المختصة بعد خمسة قرارات إفراج من المحكمة عنه.<il>

بقلم د/نبيل عبد الفتاح

جريدة الدستور

لا يوجد ردود

Featuring WPMU Bloglist Widget by YD WordPress Developer