مواضيع قسم ‘اليوم السابع’

ليس للبدو نصيب من التراث الفرعوني، وهم لايعيرونه اهتماما

أغسطس
29

عاد الإرهاب إلى مصر في عام 2004 بعد غيابٍ دام سبع سنوات، إذ وقعت هجماتٌ متعاقبة، وبرزت في سيناء حركةٌ غير معروفةٍ من قبل. وقد اتسم رد الفعل الحكومي بالاقتصار على المجال الأمني في المقام الأول: اعتقال الإرهابيين والقضاء عليهم. ركزت المنظمات غير الحكومية المصرية والدولية على انتهاكات حقوق الإنسان التي كانت بارزةً في التدابير الأمنية. أما الصحافة فانصب اهتمامها على المسؤولية المحتملة لتنظيم القاعدة. وقد اقتصرت كلٌّ من استجابة الحكومة والمناقشات التي شهدها الجمهور الواسع على الجوانب السطحية للأحداث وتجاهلت المشكلات الاجتماعية ـ الاقتصادية والثقافية الكامنة في قلب مسألة شبه جزيرة سيناء. إن ظهور حركة إرهابية حيث لم يكن للإرهاب وجودٌ من قبل لدلالةٌ على وجود توتراتٍ ونزاعات كبيرة في سيناء؛ وهي في المقام الأول دليلٌ على علاقتها الإشكالية مع الأمة ـ الدولة المصرية. وما لم يجر تناول هذه العوامل على نحوٍ حقيقي، فلا مجال لافتراض إمكانية التخلص من الحركة الإرهابية.

ولطالما كانت سيناء (في أحسن الأحوال) منطقة شبه منفصلة. ولطالما كانت هويتها المصرية بعيدةً كل البعد عن كونها أمراً ثابتاً تماماً. ظلت سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي من عام 1967 إلى 1982. وقضت اتفاقية السلام لعام 1979 بإخضاعها إلى نظام أمني خاص؛ وهذا ما يتيح لمصر حرية العمل العسكري فيها. إن وضع سيناء الجيوسياسي (تمثل كامل خط حدود مصر مع إسرائيل وقطاع غزة) يجعلها ذات أهمية استراتيجية لكلٍّ من مصر وإسرائيل، كما يجعلها حساسةً لتطورات النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

ويتباين سكانها الذين يناهز عددهم 360 ألفاً (قرابة 300 ألفاً في الشمال و60 ألفاً في الجنوب) عن بقية أهل البلاد. وثمة أقليةٌ هامةٌ تنحدر من أصولٍ فلسطينية مع أن معظم أفرادها مولودون في مصر. وأما بقية السكان فيطلق عليهم اسم "البدو"، وهم من قاطني شبه الجزيرة منذ زمنٍ بعيد. ويتمتع العنصر الفلسطيني بإحساسٍ شديد بالهوية الفلسطينية والارتباط بسكان غزة والضفة الغربية. أما البدو (ولم يعد فيهم إلا أقليةٌ صغيرة من سكان الخيام الرحل) فلديهم هويةٌ متميزةٌ أيضاً؛ فهم شديدو الوعي بأصولهم التاريخية العائدة إلى شبه جزيرة العرب وينتمون إلى قبائل لها فروعٌ كبيرة في كلٍّ من إسرائيل وفلسطين والأردن. وهم ممن يتجهون شرقاً بطبيعتهم، كالفلسطينيين، وليس صوب بقية الدولة المصرية إلى الغرب منهم. وليس للفلسطينيين والبدو نصيبٌ من التراث الفرعوني المشترك بين سكان وادي النيل (مسلمين ومسيحيين)، وهم لا يعيرونه اهتماماً.

تفاقمت فوارق الهوية هذه بفعل التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي شجعتها السلطات منذ 1982. ولم تحاول الحكومة دمج سكان سيناء ضمن نسيج الأمة من خلال برنامجٍ بعيد النظر يستجيب إلى حاجاتهم ويحقق مشاركتهم الفاعلة. بل عمدت إلى تشجيع استيطان مهاجري وادي النيل الذين تجنح إلى محاباتهم على نحوٍ منهجي؛ وذلك إلى جانب ممارستها التمييز بحق السكان المحليين فيما يتعلق بالإسكان وفرص العمل في الشمال، وكذلك في عملية تنمية المناطق السياحية في الجنوب (وهي ملك للمصريين والأجانب على حدٍّ سواء). ولا تتيح هذه التطورات أمام السكان المحليين فرصاً كثيرة؛ بل غالباً ما تتم على حسابهم (خاصةً فيما يتعلق بالحق في الأرض)، مما أثار استياءً عميقاً في صفوفهم. ولا تكاد الحكومة تفعل شيئاً لتشجيع مشاركة أهل سيناء في الحياة السياسية القومية. وهي تستخدم أسلوب "فرّق تسُد" في إدارتها ذلك القدر الضئيل الذي تسمح به من التمثيل المحلي، كما تروّج للتراث الفرعوني على حساب التقاليد البدوية في سيناء.

ومن هنا نرى أنه تحت مشكلة الإرهاب تكمن "مسألة سيناء" الأشد خطورةً والأكثر دواماً، والتي يتعين على الطبقة السياسية معالجتها. ولن يكون ذلك أمراً سهلاً. وطالما أن لهذه المسألة جذورٌ عميقةٌ في أزمات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، فإن حلها النهائي يعتمد على حل هذه الأزمات. لكنه يتطلب أيضاً دمجاً ومشاركةً كاملين لسكان سيناء في الحياة السياسية القومية. وهذا يعني أن حلها معتمدٌ أيضاً على إصلاحاتٍ سياسيةٍ كبيرة في البلاد كلها، وهو ما ليس يلوح في الأفق الآن.

ورغم عدم إمكانية توقع حلٍّ قريب لمسألة سيناء، فإن بمقدور الحكومة، ومن واجبها، تعديل الاستراتيجية التنموية التي تتسم بقدرٍ كبيرٍ من التمييز وقلة الفاعلية، وذلك لتلبية الحاجات المحلية. ومن شأن خطةٍ جديدةٍ تحظى بتمويلٍ ملائم وتوضع بالتشاور مع ممثلين محليين حقيقيين ويشترك جميع عناصر السكان في تنفيذها أن تغيّر مواقف أهل سيناء من الحكومة من خلال معالجة مظالمهم.

توصيات

إلى الحكومة المصرية:

1.  العمل على إعداد خطة تنموية اجتماعية واقت

لا يوجد ردود

Featuring WPMU Bloglist Widget by YD WordPress Developer