مواضيع قسم ‘بدو’

مبروك حمدى ابو جليل طى الخيام

فبراير
23

قراءة في كتاب(طي الخيام):أيهما الأسعد حظا..الكاتب أم عالمه ؟

ترى، أيهما الأسعد حظا، الكاتب أم عالمه؟. كاتب لديه عالم خصب، شديد الخصوصية، أم عالم خرج من داخله كاتب يستطيع تأمله، وتبسيطه، والحكى عنه بهذه الأريحية، والموضوعية، والتشويق..؟!

أسئلة من هذا النوع تأتى إلى الرأس مع قراءة حمدى أبوجليل، خصوصا لو اتفقنا على أن استغراق الكاتب فى واقعه، وتأمله له، وعدم انشغاله بخيالات وعوالم بعيدة، سيظل أحد أهم وسائل المبدع الحقيقى إلى متلقيه.

المجموعة القصصية الجديدة لأبوجليل والصادرة عن دار ميريت تؤكد هذه الفكرة، حيث إنها خطوة أخرى فى دربه الخاص، الذى يخبره جيدا، فيقودنا داخله بسهولة، مع احتفاظه بأسرار تجعله من خير مرشديك فى هذا المكان ذى المذاق المختلف، والذى لا نعرف عنه الكثير.

رغم أن محتويات العمل نشرت من قبل فى مجموعتين بعنوان «أسراب النمل»، و«أشياء مطوية بعناية فائقة»، إلا أنه يعتبرها جديدة، ومبرره فى ذلك أن المجموعتين السابقتين اللتين صدرتا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، والهيئة العامة للكتاب، لم تصلا للقارئ بالشكل المطلوب، لأكثر من سبب، منها التعتيم على إحداهما بعد المشكلة التى كان هو أحد أطرافها والخاصة بنشر رواية «وليمة لأعشاب البحر» للكاتب السورى حيدر حيدر، أحد أشهر أزمات قضايا التعبير فى العقد الماضى.

ولكن يبدو أن هذا التعتيم جاء إيجابيا بشكل ما، فراح صاحب «لصوص متقاعدون» يعمل على هاتين المجموعتين ويشذبهما، ويتخلص مما يراه غير مناسب من تلك النصوص التى كان كتبها تحت ضغط أفكار ومشاعر وأيديولوجيا معينة، ويضغطهما فى مجموعة فريدة، بغلاف للفنان أحمد اللباد، وأسماها، «طى الخيام».

خمس عشرة قصة، يحكيها بطل واحد، عن أشخاص يعيشون بنفس الأرض، مما يطرح سؤالا آخر، وهو لماذا صنفها الكاتب كقصص، ولم يصدرها كرواية، مثلما فعل مع روايته السابقة «الفاعل»؟. يجيب أبوجليل: «عندما كنت أكتب الفاعل، كان فى نيتى كتابة رواية كلاسيكية، وهو النوع الذى أفضله كقارئ، ولكن جاءتنى فكرة تغيير صيغة الضمير إلى المتكلم، فارتبكت الأحداث، وأصبح من الصعب إعادة صياغتها مرة أخرى، وتدريجيا أخذت شكلها الأخير»، يكمل «والتجديد فى الكتابة من وجهة نظرى لا يأتى بالسعى لذلك، ولكن يأتى بسبب عدم القدرة على تحقيق الشكل الأقدم، ولكن الأمر اختلف فى مجموعتى الأخيرة، حيث رأيتها قصصا منذ بدأت صياغتها، ولم أستطع رؤيتها غير ذلك».

هيا نطوى الخيام ونذهب إلى زاوية حمدى أبوجليل، لنتعرف على بعض خصائص البدو الذين نشأ بينهم، ونرى كيف يحافظون على الأحكام التى يشرعها قادة القبائل فى «مواعيد» أو جلسات فض المنازعات، كيف يلتزمون بها إلى الأبناء والأحفاد، ما يعكر صفو أجيال جديدة بسبب عهود أخذها الأجداد، تتجلى هذه الحالة فى قصة «مراسم تسليم الدية»، فنجده يعانى من الشعور بالمهانة لالتزام أبيه بدفع الدية لإحدى القبائل، طوال الوقت يحاول إقناعه بأنه ليس مضطرا إلى هذا، فكبيرهم الذى كان الالتزام أمامه مات، ولكن الأب كان ينهره ويتهمه بعدم معرفة مواثيق البدو، ويقول له «هذا أحد مصائب زواج أبيك من أمك الفلاحة الذى طالما حذرنى منه الشيوخ، والذى جعل من الفلاحين أخوالا لأحفادى»، ليس المقصود بالفلاحين هنا من يفلحون الأرض، ولكن البدو يطلقون هذه الصفة على كل من ليس بدويا حتى لو كانوا وزراء يسكنون المدن.

تعال أيضا نتعرف على «خود» الفتاة البدوية التى زوجوها من ابن عمها، واتضح أنه ليس على ما يرام فى المسائل الزوجية، الأمر الذى كان شبيها بحكم الإعدام على مشايخ القبائل عندما أطلقتها صريحة فى وجوههم، وخرجت زمجرتهم تشبه أنين من تمكن منه حبل المشنقة. وسوف نقابل فى الطريق «العم عطوة» الذى طالما حلم بأن يلتقى المذيعة آمال فهمى ليشيد ببرنامجها الشهير «على الناصية» ويستسمحها فى مناشدة المسئولين أن يمنحوه كارنيها يركب به كل وسائل المواصلات مجانا، كى يتجول بسهولة بين مدن مصر وقراها، ولكن حذار والنظر إلى فتيات القبيلة نظرة ذات مغزى، حتى لا يقابلك مصير السائق «عولة» الذى ذهب فى توصيلة للسيدة وابنتها، وانتهز فرصة وحدتهما، وراح يتردد على منزلهما، حذرتاه أكثر من مرة، ولكنه لم يفهم، حتى وجد صريعا بجوار كيسين من الفاكهة.

«طى الخيام» عنوان جذاب، دال، ولكن سجعه الموسيقى الفريد قد يكون متناقضا ولو بقدر بسيط مع أفكار الكاتب عن وظيفة الكلمات، لأن الرجل ينتمى إلى مدرسة تجريد اللغة، وتخفيفها من أية أعباء، وجعلها حاملة فقط لما يريد توصيله، دون الارتباط بطريقة سرد معينة تصعب عليه مهمته التى يراها بسيطة ولا تحتمل احتواء معان ثقيلة، أو قضايا كبرى، يقول «هذه ليست وظيفة الأديب، ولكنها وظيفة الباحثين والدارسين، وبرامج التوعية، لأن الأديب أبسط من ذلك بكثير».
هو أيضا مهموم بكتابة الواقع، أو الأحداث الواردة فى الحقيقة، ويكره الكتابة الخيالية الصرف، لأنها تكون صعبة التصديق، ورغم أن هذا يبدو سهلا، إلا أنه يعانى من صعوبة هذه المسألة، «كلما حاولت نقل الواقع على الورق، أجده لا يصلح ويتحول إلى خيال، وأضطر إلى اللجوء لبعض الحيل كى يصبح شيئا حقيقيا».

المجموعة تحوى مواقف شديدة الإنسانية، خالية من الاستعطاف، ولكنها تدفعك للتعاطف، فنجد قصة &laquo
;بخار الشاى»، التى يذهب بطلها لانتظار أحدهم فى المقهى، يبدو أنه كان سيعطيه مالا، أو سيوفر له مبيتا، كان صاحبنا يتعمد التلكع فى شرب الشاى، حتى لا يأتي الجرسون لمطالبته بمشروب آخر، ولكن جلسته طالت، تخطت الساعات الثلاث، فنفدت أبخرة كوب الشاى، وبات من المحرج أن يظل يشرب فيه، وارتجف من فكرة أن يراه الجرسون، فقرر أن يذهب للراحة فى أحد المساجد، ولكنه اكتشف أنها لا تفتح أبوابها فى غير مواعيد الصلاة، وأنقذته إحدى الحدائق العامة، واستعان على أرقه بنصف علبة السجائر. ونجد شخصا يبحث عن آخر ليوليه مهمة الأبوة، أو ثالثا ظل يهاب زعيمه أثناء صمته، وبمجرد أن تحدث الزعيم فى أحد الخطابات، ظهرت صورته الضعيفة المترنحة.

سوف تقابل أشخاصا كثيرين، تتنوع خلفياتهم، وأبعادهم النفسية والاجتماعية، ولكنهم جميعا يشعرون بعدم الاستقرار، يذهبون إلى أطراف المدن، يعيشون فيها لفترات طويلة، تمر عليهم الحقب، ولكن مهما طالت الجلسة، لا يستطيعون الاستمرار، ويكونوا أمام خيارين، إما أن يذوبوا فى عجينة المكان الجديد، ويصبحوا جزءا منه، وينسوا «مواعيد البدو»، أو يلجأون للرحيل، ويضطرون إلى طى الخيام.

 

لا يوجد ردود

Featuring WPMU Bloglist Widget by YD WordPress Developer