مواضيع قسم ‘ثقافه’

«ختام» الحاشية و«ختان» الشعب في مصر

نوفمبر
09

 

وائل عبد الفتاح
الحاشية والشعب والرئيس بينهما. الحكاية على تعقّدها تشغل جلسات الكلام الحرّ على مستوياتها. من سيسقط قريباً من الحاشية؟ هل يثور الشعب؟ هذه الأسئلة تتجدّد كل يوم، لكنها في ظلّ عرض ختام لعهد طويل تكاد مصر تلمس آيات «خلوده»

مساجين بلا تهم وفاسدون محميّون

المعتقل السياسي مسعود أبو فجر (الأخبار)المعتقل السياسي مسعود أبو فجر (الأخبار)

يكاد يتلاشى. جسده سيختفي تقريباً. هذا ما حكاه زوّار مسعد أبو فجر. إضرابه عن الطعام مفتوح. اختطف في مدينة القنطرة من ١٠ شهور ولم يخرج حتى اليوم، متنقلاً بين السجون، وبين التّهم «إثارة الشغب وحيازة السلاح»، ومن اعتقال قانوني إلى اعتقال من دون سبب بعد قرارات الإفراج المتوالية من النيابة والمحاكم.
ماذا فعل مسعد أبو فجر؟ ما هي خطورته على الأمن القومي؟ المعروف أن مسعد أبو فجر كاتب من سيناء، نشرت له رواية اسمها «طلعة البدن»، يمكن اعتبارها الأولى عن بدو سيناء، وأسّس حركة «ودنا نعيش». حبكة مطالبها بسيطة وأوّلية: حياة كريمة بعد سنوات من نسيان الحكومة لسكان سيناء الأصليين، ثم معاملتهم كمشاريع أعداء. صرخة طلب الحياة لم تعجب النظام واختطفت مؤسس الحركة صاحب الملامح الرقيقة والقوية. البدوي يعيش حالياً أياماً قاسية ويواجه جريمة من القرون الوسطى، عندما كان الحكام ينسون معارضيهم في زنازين تحت الأرض.
أبو فجر مخطوف من أجهزة الأمن. مكان اختطافه معروف. وأجهزة الأمن تتحدّى مطالبات ٢١ منظمة حقوقية وبلاغ للنائب العام موقّع من أدباء وفنانين وصحافيين. الأجهزة ترسل رسالة واحدة متكررة: «اخبطوا رأسكم في الحيط».
يبدو الأمر أحياناً كما لو أن أجهزة الداخلية لا تملك القرار النهائي في ملف أبو فجر. هل هناك جهات أخرى أعلى (محلية أو دولية) هي صاحبة القرار النهائي؟ وإذا كانت هذه الجهات تريد شيئاً من أبو فجر، فلماذا لا تعلن عنه؟ لماذا لا تعلن تهمة حقيقية واحدة ضد مسجون سياسي يعترض بكل الطرق التي تحرك قلب الأنظمة الميتة ولا أحد يتحرك؟ موقف غريب مقارنة بحكايات تشغل كواليس النخبة في مصر عن هروب رجال أعمال وموظفين كبار متهمين في قضايا فساد. الظاهرة ليست جديدة. اختفت فترات، لكنها تعود مع محاكمات عامرة بالفساد المتعدد.
آخر الحكايات تشير إلى سفر رجل الأعمال هاني سرور (نائب في مجلس الشعب وعضو لجنة سياسات) إلى بيته في منتجع «كان» الفرنسي بعد لحظات من صدور قرار محكمة النقض برفض البراءة في القضية المعروفة إعلاميا بـ«أكياس الدم الفاسدة».
حكايات هروب أخرى رواها النائب طلعت السادات في سؤال موجه إلى رئيس الوزراء أحمد نظيف ووزير الداخلية حبيب العادلي عن اختفاء عبد الرحمن حافظ وعماد الجلدة. والأول هو الرئيس السابق للشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي ويحاكم بتهمة الكسب غير المشروع. أما الثاني (عماد الجلدة)، وهو الوكيل السابق للجنة الشباب في مجلس الشعب، فمتهم في قضية رشوة وكيل وزارة البترول، واختفى قبل يومين من صدور قرار محكمة جنايات القاهرة في 25 أيلول الماضي بتأييد سجنه لمدة 3 سنوات. رواة الأسرار يؤكدون أن الجلدة لم يعبر الحدود وأنه في إحدى المحميات الآمنة داخل مصر ينتظر قبول الطعن أمام محكمة النقض.
بين الهروب والأسر مسافة تختصر توتر الحاشية في لحظات الختام. ختام مؤجل لمصلحة «أبدية» تعيش مصر وقائعها يومياً. هكذا تصنع الحاشية أسوارها ليقفز (عليها) أصحاب الحظوة والقرب، ويحبس خلفها المغضوب عليهم الخاضعون لعمليات تعذيب ممهنجة. هذا هو الفرق بين حكاية أبو فجر والهاربين من محاكمات الفساد الحالية.
أبو فجر نموذج مختلف لم تعرفه أجهزة النظام في أهل سيناء. وهو، بحسب تعبير الأديب المصري رؤوف مسعد، «بدوي لا يعمل بالتهريب بل خبير كمبيوتر. لا يرعى الأغنام بل يكتب الأدب». المشكلة أنه من سيناء، الممسوكة بأيدي المخابرات لما لها من أهمية أمنية واستراتيجية قومية. ثم إن زواج المال والسلطة يتعامل مع سيناء باعتبارها أرضاً مباحة بطريقة تنتهك حقوق البدو التاريخية في أرضهم.
أما اختفاء المتهمين فهو اختبار النفوذ وشطارة استغلال الزمن للهروب من عقاب فردي. المحاكمات كأنها تزيح جيلاً لمصلحة جيل جديد، أي تجدد دماء دولة الفساد والنفوذ. هي تعبير عن توازنات القوى، ومع اتساع مدى الوافدين على نخبة حسني مبارك وابنه جمال لا بد من إزاحة واستبدال. وهناك الآن جيل جديد من المقيمين في محميات النفوذ. آخرهم المهندس محمود الجمال، حمو جمال مبارك، وقد نشرت الصحف أنه فاز بنصيب الأسد من أرض الطريق الصحراوي (32 ألف فدان)، بقية الأسود من قوائم أنسباء جمال مبارك وزملاء له في البيزنس (بينهم أحمد، ابن حسنين هيكل).
قوائم النفوذ متخمة، بينما أبو فجر وحده في زنزانة. يذوب جسده ويقول لزوجته عندما تطالبه بإنهاء الإضراب: «أضرب عن الطعام لا لكي أموت ولكن لأحيا كإنسان يرفض الذل والمهانة».

<IL>

جريدة الاخبار اللبنانيه 8/11/2008

لا يوجد ردود

أسير الأجهزة

نوفمبر
04

وائل عبد الفتاح

يكاد يتلاشي جسده سيختفي تقريبًا.. هذا ما حكاه أصدقاء عن مسعد أبو فجر.. الكاتب الذي رأيته مرة أو مرتين.. عندما صدرت روايته «طلعة البدن..».. أتذكر ملامحه الرقيقة والقوية. بدوي لكنه ابن مدينة. وكلما أتخيل وجوده في زنزانة يتألم من ظلم أكبر من السجن. ظلم جبروت السلطة التي ترفض الإفراج عنه رغم كل الأحكام القضائية.

ما هي حكاية مسعد أبو فجر؟ ماهي خطورته علي الأمن القومي؟ هل تريد أجهزة الأمن في مصر أن تعطي به درسًا لشخص مجهول لا نراه؟ هل هناك خطر لا يمكن الإعلان عنه من كاتب ومهتم بحقوق أهل بلده في سيناء.. ؟ إذا كان هناك خطر إما أن تعلنه أجهزة الأمن أو تفرج عنه فورًا.

اعتقال أبوفجر من الجرائم الكبري في الدول المحترمة.. جريمة من القرون الوسطي عندما كان الحكام ينسون معارضيهم في زنازين تحت الأرض.. ؟ أبو فجر مخطوف من أجهزة الأمن ونعرف مكان اختطافه.. وتتحدانا الأجهزة «اخبطوا رأسكم في الحيط».. هل هذه هي الرسالة..؟

يبدو الأمر أحيانا كما لو أن أجهزة الداخلية لا تملك القرار النهائي في ملف أبوفجر.. هل هناك جهات أخري أعلي (محلية أو دولية) هي صاحبة القرار النهائي..؟ وإذا كانت هذه الجهات تريد شيئًا من أبو فجر فلماذا لا تعلن عنه؟لماذا لا تعلن تهمة حقيقية واحدة ضد رجل يعترض علي وجوده في السجن بكل الطرق التي تحرك قلب الأنظمة الميتة ولا أحد يتحرك؟ لماذا مرة أخري..؟ لماذا تتعمد أجهزة الأمن الاستهانة بقرارات النيابة والقضاء.. تنفذها بمزاجها أو علي هواها السياسي عندما تريد..؟ وإذا كانت الحكومة المصرية أفرجت عن جاسوس إسرائيلي مثل عزام عزام.. جاسوس.. وليس مجرد عابر سبيل أو سائح مظلوم.. احترامًا لاتفاقيات سرية أو لقانون دولي أو لشيء لا نعرفه.. اليس هناك شيئًا تحترمه الحكومة ويجعلها تفرج عن أبو فجر المضرب عن الطعام منذ أيام.

هل هو العناد؟ أم الفخر بأن هناك ما هو أكبر من القانون واحترام حق إنسان في الحرية والحياة. هناك جهة ما أو شخص ما يريد أن يقول لنا «اشربوا القانون بعد أن تبلوا ميته».. وأشعر أنه يضحك الآن كلما كتب أحد عن مسعد أبو فجر.

هل هي لذة الجبروت.. والاستمتاع بالتعذيب.. أم أنها محاولة لتلفيق قضية كبيرة تبرر كل هذا الظلم الذي تعرض له شخص مسالم لم يفعل إلا أنه نسي همومه الشخصية وقال كلمة قوية «ودنا نعيش».

فعلاً.. نحن نريد الحياة. نريد أن نكون محترمين قبل أن نموت. نريد أن نري يومًا أبيضًا وسط كل هذه السنوات السوداء.

هل يسمع مدمنو السلطة هذه الصرخة من داخل الزنازين وفي الشوارع والبيوت والمدارس؟ هل يسمع أشرار الشاة الذين يجلسون علي المقاعد يخططون لمستقبل مصر؟

كيف تتحملون حياتكم ومسعد أبوفجر في السجن؟ كيف تتكلمون عن دولة القانون والديمقراطية وثورات التطوير وتفجير الإصلاح وأبو فجر يقترب من الموت في زنزانة لا يعرف متي يخرج منها؟

مسعد بو فجر دليل يومي علي كذب أي كلام من هذا النوع. ولم يعد نظام محترم في العالم يحبس شخص دون تهمة معلنة ويحرمه حتي من حق معرفة تهمته.

هل صحيح أننا لا نستحق حياة أفضل؟

جريدة الدستور4/11/2008

لا يوجد ردود

Featuring WPMU Bloglist Widget by YD WordPress Developer