مواضيع قسم ‘د/ محمد السيد سعيد’

من زنزانتي أكتب إليكم!

يونيو
04

مسعد أبو فجر يكتب من الزنزانة الانفرادية بعد خمسة أحكام بالإفراج:                 

04/06/2008

لم ير قاض أوراقي إلا وأصدر حكمًا بالإفراج في أقل من دقيقتين

«البديل» ممنوعة في السجن وتأتينا من تحت عقب باب الزنزانة.. وقلت لرفاقي بعد  مساندتها لنا: «لقد وجدنا نبعنا»

الدكتور/ محمد السيد سعيد رئيس تحرير جريدة «البديل»

تحية ود واحترام وإجلال وإكبار.. فرغم العشم الكبير وخربشات الكتابة التي تشبه خربشات القطط والأولاد، يظل لكل مكانه الذي لا ينبغي عليه أن يتجاوزه، خاصة إن كان في مقابل من له كل هذا التاريخ وكل هذا النجاح وكل هذا الحضور..

- 1 -

من تحت عقب باب زنزانة، مساحتها «5.1 * 3 أمتار» تقريبا، لا يوجد فيها سواي يتسرب لي أحد أعداد جريدة «البديل» «الممنوعة في السجون المصرية»، أتصفحه بسرعة، وأتوقف أمام كلمة قالها يوسف إدريس في رثاء أمل دنقل، أقرأ وأقرأ.. وأعيد القراءة مرة واثنتين وثلاثًا.. فأحس أن فضاء الزنزانة يسير له امتداد الأفق، وأن الحياة، هي الأخري، تمتد إلي مالا نهاية.

وكنت عرفت، من زائري، أنك خصصت مساحتك «أول ضوء» للكتابة عني مرتين. ورغم أن الأوقات، في العادي تقاس بالساعات والأيام والشهور والسنين بل حتي بالقرون، إلا أن الزنازين علمتني أن هناك مقاييس أخري للوقت، هي صدور أحكام القضاء. فمنذ ذلك التاريخ، كتابتك عني، وحتي اليوم، صدرت خمسة أحكام قضائية بالإفراج عني، ومازلت حتي هذه اللحظة، أتنقل بين زنازين سجون مصر، مع اختلافات هي في الفارق بين مساحة كل زنزانة وأخري، ودرجة التعاطف التي تتبدي واضحة في عيون الحراس، ويترجمونها في صورة فرق في المعاملة بيني  وبين المجرمين وسراق المال العام، رغم أن هؤلاء تتم التوصية بهم من «فوق»، بينما أنا تتم التوصية ضدي من نفس ذلك «الفوق».

- 2 -

أسوأ ما في الزنازين الانفرادية، ليس التبول في زجاجة ولا دخول الحمام لمرة واحدة في كل 24 ساعة ولأقل من دقيقتين، ولا في منع كل المخاليق عن زيارتك، بل عن معرفة مكانك، كما أنها ليست في نومك علي الأرض وبين القاذورات، ولا في عدم رؤيتك الشمس إلا في الحلم.

فكل هذه تفاصيل يتجاوزها بدوي مثلي، تربي علي شظف العيش وقسوة الصحراء، وعرفت جبروت السجن في أشعار جدي  البدوية، التي كان يرسلها من وراء أسواره، قبل أن يطعن ويهوي ميتا، تلك الأشعار التي كانت أمي تغنيها لي قبل النوم، حينما كنت طفلا، ومازلت أحفظها حتي اليوم.

فالأسوأ في الزنازين الانفرادية، هو الفصل  بينك وبين القراءة والكتاب، وفصل أشباهي عن القراءة المنظمة هو كفصل الإبل عن الماء، قد تصبر علي العطش، أياما أكثر مما تصبر غيرها من الحيوانات، ولكنها في الأخير تهوي نافقة.

- 3 -

في يناير 2007 صدرت «طلعة البدن» روايتي الأولي عن دار ميريت، وفرحت طبعا بكثرة ردود الأفعال من القراء والنقاد. ولكن فرحة الكاتب الحقيقية، ليست في كثرة ردود الأفعال، إنها…. وأترك الكلام ليوسف إدريس في الكلمة التي أشرتُ إليها في البداية.

«يرسل الشاعر الإشارات تلو الإشارات، والقصائد تلو القصائد، والقصص تلو القصص والإبداعات والمسرحيات، والسيمفونيات والباليهات والندوات وفي عصره قد يسمع، يسمعه ربما كثيرون، وكثيرون جدا قد يرون رؤيته، ويتبنون عينه، ولكنه يظل لا يحس بأن أحدًا يشاركه الوسيلة، شعره، وصعب تماما أن نتواصل نحن معه فليس لدينا الوسيلة له، فنحن نراه وهو لا يرانا، ونحن نسمعه وهو لا يسمعنا، وقد نهتف له ونلوح ولكنه يهز رأسه وكأنه يقول إنكم تلوحون لي وتهتفون علي الشيء الخطأ، فليس هذا ما أريد قوله… أنا أريد… ويخرج لنا قصيدته أو قصته الجديدة.

كتبتُ الرواية الثانية «كم
ائن متركة» ولكن الهابوش والناموش اقتحم شقتي، وصادروا كل المسودات، ولكن الحمد لله أن الكاتب لا ينسي ما كتبه، إلا بعد أن تلفظه المطبعة. ولما يراه في كتاب، يفرح به يوما أو يومين، أسبوعا أو أسبوعين ثم «……..» وأعود ليوسف إدريس: «ليس هذا ما أريد قوله.. أنا أريد.. ويخرج لنا قصيدته أو قصته الجديدة
».

- 4 -

لم أكن أعتقد أن كتابا، عدد صفحاته أقل من 140 صفحة، قادر  علي تهشيم وطن، أو تدمير منظومة أخلاق، أو هدم دين من الأديان، وكنت ومازلت أري أن دينا أو أخلاقا أو وطنا، يهدمها كتاب أو عشرة أو مائة، هي أديان أو أوطان أو أخلاق، لا تستحق أن تبقي ولا تستحق أن يدافع عنها وانطلقت الألسن  ضد الكتاب، وكانت البداية، حين بدأنا في سيناء نضالنا المدني السلمي للإفراج عن معتقلينا، فقام أشخاص من البدو، يرتبطون بعلاقات مع أجهزة ليست فوق مستوي الشبهات، بالتشهير بالكتاب، بين القبائل والعشائر في سيناء، بدعوي أن الكتاب يسيء إلي البدو، وينعتهم بأوصاف ليست فيهم. وكنت ومازلت أعتقد أن ذلك التشهير كان إسفينا، يوضع بيني وبين أهلي وناسي، كفرشة في إطار خطة التمهيد لوضع السكين علي رقبتي، بسبب الدور الذي أديته في إسنادهم، أثناء نضالهم العادل للإفراج عن معتقليهم.

لو كنت أعيش في كارولينا ولي شعر أصفر وعيون زرقاء، لكنت قمت بالدور نفسه، ولو عاد التاريخ بي إلي الوراء لقمت أيضًا وأيضا بالدور نفسه، فنضالي ليس له علاقة بكوني بدويا، بقدر علاقته بأن هناك هما إنسانيا، يتمثل في عذاب آلاف الأمهات والأباء والأطفال والطفلات، جراء اعتقال فلذات الأكباد وعواميد البيوت، من أبناء وآباء وأزواج، ومثلما نمت علي رصيف ميدان التحرير بين صفوف حركة كفاية، نمت تحت خيمة بدوية علي مثلث شبانة بين صفوف البدو

وحين تحركت عقول مصر، ترفض قرار وضع السكين علي رقبتي، وأدان قرار حبسي كُتاب من طراز، محمد  السيد سعيد، وصنع الله إبراهيم، وبهاء طاهر، وأحمد فؤاد نجم، ورءوف مسعد وعلاء الأسواني وعادل السيوي ومحمد هاشم وحمدين صباحي وعبد الحليم قنديل ومحمد عبد القدوس ويحيي القزاز وحمدي بو جليل وإيهاب عبد الحميد وإبراهيم منصور وبثينة كامل… وغيرهم وغيرهم مما لا يتسع المقام لذكرهم تفاجأت تلك الأجهزة، لأنها لم تكن تعلم بأن جذوري في سيناء، ورأسي يطل علي العالم من القاهرة، وقد كانت حساباتها أنني لستُ أكثر من شاعر بدوي، لا يتعدي صوته حدود  مضارب قبيلته. فأطلقت فحيحها السام لتواري عورتها، ولتنشر الدخان حول مسرح الجريمة. والدخان ينطلق علي محورين:

المحور الأول: الرئيس غير مقتنع بأن أحدا يمارس دورا عاما بدون مقابل «المقابل كما يفهمه مادي طبعا» هذا ما قالته السيدة قرينته لأحد أساتذتها.

المحور الثاني: وهو طريق باتجاهين: الاتجاه الأول: يخرج مع الأنفاس التي ينفثها زئير الفتاوي، أن كل من يعترض علي الفساد والديكتاتورية هو «خوارجي».

الاتجاه الثاني: يخرج مع صوت البروجي، ومن بين الدبابير والنسور المعلقة علي الأكتاف، أن كل من يعترض علي الفساد والديكتاتورية، يلعب لمصلحة آخر وهذا الآخر كامن وراء الأكمة. وهو آخر هذه المرة يريد الدفع بنا نحو الفوضي. رغم أن السبيل الوحيد لتفادي تلك الفوضي، هو تضافر الجهود، للقفز بمصر نحو المستقبل، عبر عملية تغيير سياسي شامل، يعتمد معطيات الدولة الحديثة، وعلي رأسها، الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان واستقلال القضاء.

وإذا كان المطالبون بهذا التغيير لابد أن يمروا من المحور الأول، وفق تصنيف النظام، فإنهم حين يصلون المحور الثاني، ينقسمون إلي قسمين: قسم منهم يتم تصنيفه في الاتجاه الأول، ومن ثم يطلق عليه صفة «خوارجي». والقسم الثاني يتم تصنيفه في الاتجاه الثاني، ومن ثم تنطبق عليه صفة «يعمل لمصلحة ذلك الآخر».

والمؤسف بل المؤلم هو انسياق البعض وراء هذه التصنيفات، ناسيا أو متناسيا أن الهجوم علي في هذا الوقت بالذات، وحريتي تسيل من بين أنياب بنات آوي، يتنافي ومعايير وقيم كثيرة خلفتها البشرية في مسيرتها الطويلة. «للذكري: صدرت خمسة أحكام قضائية بالإفراج عني، بل ما هو أكثر، أن أوراقي لم تعرض علي قاض من الخمسة، إلا وأصدر حكما بالإفراج عني من أول مرة وفي أقل من دقيقتين. هذه أحكام القضاء إن كان يريدونها، أما إن كانوا يريدون حكم أجهزة «……….» فليقولوا لنا لنعرف رأسنا من رجلينا……».

بالطبع أشعر بعميق الامتنان لوقوفك شخصيا، ووقوف «البديل»، وغيرها من الصحف، إلي جواري في محنتي، ولا أخفيك سرا، أنني وكلما علمت أن «البديل» نشرت خبرا عني، أقول لزميلي في المحنة يحيي أبو  نصيرة: أخيرا وجدنا نبعنا وحري بنا أن نرتع، وهي مقولة بدوية «مفصحة طبعا» تعني، من بين ما تعني ، أننا وجدنا أجواءنا وجدير بنا أن نعمل بهدوء وتأن وصبر.

 

تقبل عظيم شكري وعرفاني

مسعد أبو فجر

نقلا عن جريدة البديل

لا يوجد ردود

Featuring WPMU Bloglist Widget by YD WordPress Developer