مواضيع قسم ‘رناد مسعد ابو فجر’

علاقة الأديرة بالبدو: سانت كاترين نموذجا

سبتمبر
12

من اعتدوا علي دير أبوفانا لا يمكن أن يقدموا علي ذلك دون الحصول علي ضوء أخضر من الأمن
أين عقلاء البدو ودورهم في لجم سفهائهم
كما حدث من قبل مع دير سانت كاترين
أحس بألم شخصي عميق لما حدث لدير أبوفانا، ورغم أن البداوة حالة حضارية وليست جنسا. فإن ألمي تضاعف حين عرفت أن من اعتدوا علي الدير يعودون بأصولهم لجذور بدوية. فقد عشت وتربيت علي شعور عميق بالاحترام لسكان الأديرة. وهذا يعود للعلاقة التي تربط رهبان دير سانت كاترين ببدو سيناء. فقد ظل رهبان الدير بمثابة رمانة الميزان ليس بينهم وبين القبائل البدوية فحسب، بل بين تلك القبائل بعضها البعض، كثير من المعاهدات بين القبائل، كتبها وشهد عليها رهبان دير سانت كاترين. وظلت أصول تلك المعاهدات بين وثائق الدير وفي عهدته، وإذا حصل لبس أو سوء فهم في تفسير هذه المعاهدات، فإن القبائل تعود للرهبان لفك ذلك اللبس.
وظلت هذه العلاقة مستمرة، لم تشبها شائبة اعتداء من قبل أي بدوي ضد الدير. وحين قام أحمد عرابي بالثورة، ودخل الحرب ضد الانجليز، تصور البعض أنها حرب بين المسلمين والمسيحيين فاشتط بعض سفهاء البدو وأرادوا أن يهاجموا الدير، ولكن حال بينهم وبين ما يفكرون فيه رجال من القبائل نفسها، حين قام أحدهم وخط بسيفه خطا علي الطريق إلي الدير معلنا: إن من يقطع هذا الخط يريد شرا بالدير فهي الحرب بيني وبينه.
نحن نعيش اليوم لحظة انسيال حضاري وتداخل في المفاهيم، فيها بعض ملامح تلك اللحظة التي خرج فيها عرابي. كان احساس المسلمين عميقا بعدم قدرة الخلافة العثمانية علي صد الهجوم الأوروبي الذي بدا كاسحا حينئذ، وبدت الأراضي المصرية مكشوفة تماما أمام ذلك الهجوم. واليوم نبدو مكشوفين تماما بعد فشل الأنظمة العسكرية العربية التي قادت بعض الدول العربية لأكثر من نصف قرن، سواء معارك التنمية والتقدم التي ادعت أنها تحمل لواءها في الداخل، أو معاركها مع إسرائيل في الخارج. والنتيجة أنها لم تترك العالم العربي مكشوفا أمام إسرائيل فحسب، بل تحولت إلي مقاول من الباطن لتنفيذ أجندات إسرائيلية متطرفة ومن ورائها مشاريع أمريكية يشل المواطن العربي في غاياتها.
هذه سياقات لا ينبغي إغفالها، ونحن نتعامل مع اعتداء رجال من البدو علي دير أبوفانا، ولكن السؤال أين عقلاء البدو ودورهم في لجم سفهائهم كما حدث من قبل مع دير سانت كاترين. وقبل الإجابة ينبغي علينا دراسة كيفية تعامل النظام المصري مع بعض الأزمات التي تو اجهه. وهو نظام بحكم انتمائه لطبقة جذورها مثل جذور النجيل الصناعي علي السطح، يكره كل ما هو مختلف ويخاف منه، فما بالنا إذا كان هذا المختلف يطالب بحقوق هي مشروعة من وجهة نظره وتستحق النقاش. حينها يبدأ النظام في تصدير أسباب المشكلة للخارج، وذلك باستخدام لغة فاشيستية تخاطب النخاع الشوكي وليس العقل، موحيا بأن من وراء هذه المشاكل إسرائيل ومن ورائها أمريكا. هذه خطوة أولي تتبعها خطوة ثانية وهي استخدام البلطجية. مثلا: حين أراد بدو سيناء أن ينظموا صفوفهم ويعتصموا ضد هدم بيوتهم الواقعة علي الحدود مع قطاع غزة. استخدمت البيروقراطية المصرية الاستراتيجية نفسها. وزعمت أن من يدعون للاعتصام تابعون للخارج، وحين اعتصم الناس دسوا بينهم البلطجية الذين قاموا بالاعتداء علي النشطاء الحقوقيين وتهشيم سياراتهم.
في هذا الفضاء العنكبوتي يتراجع دور العقلاء إن لم يتم التحكم فيه واستخدامه في سياق تلك الاستراتيجية. والنتيجة أن من اعتدوا علي دير أبوفانا، أناس مهيأون ذهنيا وحضاريا للاعتداء علي الرهبان. ولكنهم لا يمكن أن يقدموا علي ما فعلوا دون ضوء أخضر من أجهزة أمنية، رافقه ـ وفي نفس اللحظة ـ ضوء أحمر للعقلاء بعدم التدخل من تلك الأجهزة نفسها

لا يوجد ردود

Featuring WPMU Bloglist Widget by YD WordPress Developer