مواضيع قسم ‘ودنا نعيش’

"ميريت" تحتفل بالطبعة الثانية من رواية مسعد أبو فجر

فبراير
04

تنظم دار "ميريت" للنشر فى الرابعة عصر اليوم الخميس 4 فبراير، بجناحها بسراى 4 بمعرض الكتاب، حفلا لصدور الطبعة الثانية من رواية "طلعة البدن" للروائى السيناوى المعتقل "مسعد أبو فجر".

وتدور أحداث الرواية فى سيناء وبين مضارب البدو، فيحكى الراوى قصة "ربيع" الذى اسمته أمه "لباد" وانتظرت حتى يأتى يوم العيد فاسمته "ربيع" كما تقول العادات والتقاليد البدوية، وكان يعمل بائعا متجولا إلا أنه مل هذا العمل فقرر أن يعمل صائدا للصقور فقابل "غاليت" السائحة الأجنبية التى كانت تتجول بصحبة الدليل فى الصحراء وحين أحس الدليل برغبته فيها قبض الإيجار وتركها له.

وتنطلق الأحداث فى سيناء وتلمس مناطق شديدة الحساسية فى حياة البدو مثل علاقتهم بإسرائيل التى كانت دائما مبررا جاهزا لوصفهم بالخيانة حتى لو لم توجد هذه العلاقة من الأساس، ونظرة المجتمع للبدو التى يرى "أبو فجر" أن لها جذورا فى الثقافة الفرعونية القديمة فيصف زيارة بطل روايته للمتحف المصرى وهو يتأمل اللوحة 111 ، ويظهر فيها ،الملك سنفرو قابضا بيسراه على ناصية بدوى جاث أمام ، وبيده اليمنى هراوة لضربه وحول الصورة كتابة مفادها" سنفرو الإله العظيم فاتح البلدان وواهب القوة والثبات وراحة البال إلى الأبد".

الرواية كتبت بالفصحى إلا أن "أبو فجر" لم ينس أن يخلط بها بعض العامية البدوية فيقول "أيس" بمعنى نعم، ويضرب أمثالا شعبية من التراث البدوى "اضرب مسعود يخرا مبارك" وهو ما يماثل "أضرب المربوط يخاف السايب" فى الثقافة الشعبية، فالصحراء والبدو وحياتهم كانوا مسيطرين على العمل بشكل كامل حتى على مستوى الصور والتشبيهات مثل "لسان توماس مثل الجرس على مؤخرة البغلة" "ووضع أولاده فوق الناقة، وجرجر امرأته هابطا إلى ربعه".

وفى تصريحات لليوم السابع أكد "محمد هاشم" مدير الدار أن أبو فجر اعتقل دون مبرر فكان على الدار أن تحتفل به غائبا أو حاضرا لذلك توجهت بالدعوة لمجموعة من الأدباء مثل د "شريف حتاتة" والروائى والمترجم إيهاب عبد الحميد" والشاعر "أحمد العايدى" والروائى "أحمد مراد" والشاعر "محمد خير" وكوكبة من الأدباء للاحتفاء به فى أكبر مظاهرة ثقافية فى الوطن العربى وهى معرض الكتاب.

وكان أبو فجر قد اعتقل بعد أن أسس مع زميله "يحيى أبو نصيرة" حركة "ودنا نعيش" السيناوية، التى تطالب بحقوق البدو فى سيناء، فاعتقلته السلطات منذ العام الماضى وحتى الآن.

اليوم السابع

لا يوجد ردود

تمارة و طلعة البدن… روايتان مصريتان رهن الاعتقال

فبراير
28

 

القبض على الروائي رامي المنشاوي فور صدور روايتها «تمارة»، ولقي قبله الروائي مسعد أبو فجر المصير نفسه بعد أن صدرت روايته «طلعة البدن».

أصبحت ملاحقة المبدعين ظاهرة جديدة طرأت على المشهد الثقافي في مصر، بعد أن كانت المشكلة السائدة تتمحور حول القيود المفروضة من الرقابة على العمل الإبداعي، بالإضافة الى الصدام المعتاد بين المثقفين والمؤسسات الدينية، تماماً كما حصل مع رئيس «المجلس القومي للترجمة» د. جابر عصفور الذي غرَّمه القضاء مبلغ 50 ألف جنيه بعد مساندته، في مقال له في صحيفة «الأهرام»، الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي أمام هجوم الشيخ يوسف البدري.

أما اليوم فقد تحوّلت هذه الرقابة من القيود، التي تصل إلى المصادرة أحياناً، إلى ملاحقة المبدعين وسجنهم… والتهمة، رواية تزعج الأمن قليلاً!

انفجار إبداعي

يرى مراقبون للمشهد الثقافي في مصر أن الانفجار الإبداعي الذي راج أخيراً، بدأت انعكاساته تظهر في الواقع السياسي والاجتماعي، وأن عصر الرواية الغائبة والأدب المنعزل عن الجماهير أصبح على وشك الأفول، وبالتالي صار الخطاب الروائي الفاضح الذي بدأ يتجه إليه الروائيون الجدد قوة تزعج الأمن المصري. ويعتبر مثقفون كثيرون أن إجراءات الأمن «التعسفية» بحق المبدعين دليل قاطع على أننا ما زلنا متأخرين في صف الحضارة، فالكلمة لا تواجه إلا بالكلمة وحبس المبدعين جريمة في حق عقول الأمة.

في هذا السياق أكّد الأديب يوسف القعيد أن ملاحقة السلطة للمبدعين تأتي في ظل تردي الوضع الثقافي والحضاري الذي يمر به العالم العربي كله ومصر خصوصاً. وأرجع امتداد هذه الظاهرة إلى تقاعس المؤسسات المعنية بالشأن الثقافي عن حماية المبدع وضمان حقوقه الأمنية والمعيشية.

وتساءل القعيد، أين دور أعضاء «اتحاد الكتاب» و{المجلس الأعلى للثقافة»؟ وأجاب: «يكاد دورهم ينعدم في حماية الكاتب، بالإضافة الى أنهم لا يزالون، المفترض أنهم من كبار العقول، واقعين تحت تأثير البيروقراطية والروتين، فإذا سألنا «اتحاد الكتاب» عن أسباب عدم اتخاذه رد فعل حيال حبس رامي المنشاوي ومسعد أبو فجر سيجيب: إنهما غير مسجلين في الاتحاد!

ودعا القعيد المثقفين الى التحرك بسرعة لمواجهة الظاهرة، قائلاً: «كنا نعاني من محاصرة الإبداع قبلاً، وتطوّر الوضع بسبب التخاذل إلى حبس المبدعين كأنهم قتلة».

أما الناقدة والأديبة عفاف عبد المعطي التي تعرضت لتجربة الصدام مع السلطة فور أن أصدرت دار النشر خاصتها رواية «المسيح النبي المفقود» فأوضحت: «نشرت رواية «المسيح النبي المفقود» للكاتب أحمد الدبش فوجهت الكنيسة إنذاراً لي وطالبتني بسحب الكتاب من السوق، وعندما رفضت حققت شرطة أمن الدولة معي والكاتب، ولا يزال التحقيق جارياً».

أضافت عبد المعطي: «تمسّكي بعدم سحب الكتاب يأتي إيماناً مني بأن الفكر لا يرد عليه إلا بالفكر، أما المطاردات القضائية فهي أمر مرفوض تماماً، والإبداع يحكم عليه النقاد فحسب، لذا فإن ملاحقة الكتّاب من السلطات المصرية وسجنهم فعل لا أساس له من الصحة».

مؤسسات دينيّة

تطرقت عبد المعطي إلى المصادرة وفرض المؤسسات الدينية الرقابة على الإبداع قائلة: «المؤسسات الدينية سواء الأزهر الشريف أو الكنيسة ليس لهما الحق في المطالبة بمصادرة الأعمال الإبداعية أو الحذف منها». ودانت حال المؤسسات الثقافية «فالمثقفون في مصر لديهم مؤسسات ثقافية بلا ثقافة، ولا تتوافر مؤسسة تقدّم فكراً حقيقياً من دون محسوبية أو وساطة».

وأقرت عبد المعطي بأن الأجواء الثقافية تؤكد أن ظاهرة مطاردة الإبداع ستتفشى أكثر، ففي رأيها أن السلطة استطاعت إخضاع الإبداع، حتى مثقفين يساريين كثيرين يساندونها وهو ما يتسبب في انهيار الوضع الثقافي.

على رغم عدم اعتراضه على القضاء، قال الأديب جمال الغيطاني: «نأمل بعد تغريم د. جابر عصفور مبلغ 50 ألف جنيه ألا يتحوّل القضاء إلى آلة مهمتها مطاردة الأدباء».

بدوره أكد الروائي علاء الأسواني أن خضوع الروائيين لمباحث أمن الدولة يعتبر اعتداءً على حقوق المواطن المصري نتيجة استمرار فرض قانون الطوارئ وإطلاق يد سلطة مباحث أمن الدولة في اعتقال أي أحد من دون الرجوع إلى أي نوع من المراجعة القانونية. وحتى تسريح المعتقلين المبدعين بعد التحقيق معهم لا يمنع المطاردة المستمرة لهم.

ودعا الأسواني المثقفين ذوي الأسماء الثقيلة، بحسب وصفه، الى التكاتف للإفراج عن هؤلاء المبدعين، مشترطاً عليهم بدء العمل لإبطال قانون الطوارئ وقال: «دولتنا تطبق هذا القانون منذ 30 عاماً، وإذا كنا نهتم فعلاً بارتقاء الإبداع وحماية المبدعين، علينا أن نناضل لإلغاء قانون الطوارئ».

في سياق متصل رأى الناقد يسري عبد الله أنه على رغم خطورة هذه الظاهرة، إلا أنها تحمل بعض الدلالات الإيجابية في طياتها، لأنها «تشير الى تطوّر الرواية ومباشرتها مهمتها الاجتماعية، ومواكبتها الأحداث التي يمر بها العالم العربي. بالإضافة الى أنها تمثل صحوة النشر والانفجار الإبداعي التي يمر بها العالم العربي أخيراً، وانعكاساتها على تشكيل أعمال إبداعية ترصد الاغتراب والانعزال. لكنها تؤكد من ناحية أخرى حالة التردي الثقافي والمناخ الحضاري عموماً». 

جريدة الجريدة الكويتيه

لا يوجد ردود

فصل من رواية (طلعة البدن) .

أكتوبر
22

 

لسان توماس، مثل الجرس على مؤخرة البغلة، لا يكف عن الحركة. وبالرغم من كلامه الذي لا يتوقف، وهذه صفة من لا يكتمون سرا، فقد كنت أحس أن ثمة سرًا لفه توماس بعناية، قبل أن يدسه في رأسه. يخرج أحيانا، يغيب أياما قبل أن يعود، ماذا يفعل حين يغيب.. وأين يغيب..؟ لا شك أنه يخبر عساف، ولكن بماذا يخبره؟ ثم ما موقع توماس من رفاقه، الذين لا يتركون فرصة إلا ويرسمون النجمة الخماسية، على حجر أو في مصب وادي.

   ولكي أعرف، ماذا يفعل توماس ورفاقه، استخدمت تكتيكا مصريا، عرفته حين قرأت، واحدة من قصائد عبد الرحمن الأبنودي، التي وجدتها في جريدة مطبقه، وملقاة في غرفتي في المدينة الجامعية:

قعدت معاه

وشربت معاه الشاي

قول اديته سجارة

وجرجرته في القول

….

هيرد يقول ايه

ما انا بديلوه القول مقفول..

     

   فشل هذا التكتيك، رغم أنني نفذت، خطوة خطوة، ما كتب الأبنودي، فاضطررت لاستخدام تكتيك آخر. كان توماس واقفا، يطبخ العدس ويوزع النكات، بينما عودة يُقطع العجين، لعساف الجالس جوار الصاج يخبز، وقفتُ جواره، وقلت إني أعرف خبر لو ساعدتني في تسويقه، لكسبنا الآف الدولارات. نظر إليّ توماس، سأل: وما هو الخبر؟

   قلت: لقد كان جدي، هو دليل د. فاوست، وأخذ مبلغا من المال، كان هائلا بمقاييس تلك الأيام، نظير أن يكون دليله في العام الذي يليه. ولأن فاوست لم يأت، وجدي، كما لابد أنك تعرف، نبيل من نبلاء الصحراء، فقد أورث أبي، الموضوع في صورة، وصية، مما جعل أبي يوصيني قبل أن يموت: خذنا مال من رجل اسمه التكتور فاوست، والمال (أمانة) يا وليدي يا ربيع، كلناه في بطونا، قبل ما نشتغل الشغل اللي خذنا المال قباله، إن جاك اللي يسعلك وين دق الرجل الثابوت، أثراه مدقوق ف المطرح الفلاني.. إلى هنا ورأيت العصافير تتقافز من عيني توماس، وهو يسأل: هل تعرف المكان بالضبط.؟ أي اعرفنه. رديت.

   توماس ورفاقه يقولون، أن لقاء د. فاوست الأول مع الشيطان، تم في مكان ما من سيناء عام 1927. اتفق د. فاوست مع الشيطان، أن يلتقيا في العام التالي، إلا أن فاوست مات قبل الميعاد بأيام. ولكنه، وقبل أن يموت، لم ينس أن يوصي رفاقه، أن يذهبوا ليقابلوا الشيطان، في نفس المكان.

   لم يقدر رفاقه، على تحديد مكان اللقاء بالضبط، فتبرع توماس بالبحث عنه. لذا وما أن وصلنا المكان، الذي اخترته، حتى شرع توماس، في رسم النجمة الخماسية، ثم قاس 216 مترا من الجبل، وأجرى بعض العمليات الحسابية، ليتأكد أن الشمس تتقاطع عمودية على النجمة، ثم دهن ستة أوتاد باللون الأصفر. زرع واحدا منها في قلب النجمة، والخمس المتبقيات، على روؤس أضلاعها، ثم عدنا إلى الكامب.

   غبنا أسبوعا كاملا، كان توماس أثناءه يجلس ع الماسينجر بالساعات، قبل أن نعود، توماس ورفاقه وأنا دليلهم، إلى مكان الأوتاد. صعدت أراقبهم من فوق الجبل بالمنظار الليلي، وهو الوحيد من عدتي الذي ينتمي لعدة الصحراء. لم استطع أن أركب مارادونا، ولم أهتم بأن يكون عندي كلاشينكوف. فقد عرفت وظائفي التي لن أقدر على أداء غيرها: دليل سياح أو بائع متجول أو مدرس للتاريخ الذي تعده الحكومة ليدرسه الأولاد.

   بدأوا صلاتهم، بإيقاد النيران في منتصف النجمة، ثم أشعل توماس عددا هائلا من الشموع، في اللحظة التي بدأ الكل في نزع ما يلبسه فوق السرة. أخذ توماس في ترتيل تمائم يستحضر بها الشيطان، بينما دخان الطرينة يصّاعد، حان ميعاد الرقص. كانت الطرينة قد لعبت بالروؤس، فشبك الرفاق أيديهم، وصاروا يلفون حول النجمة الخماسية، وهم يرقصون، إلى أن تمكن الإعياء منهم؛ فتساقطوا واحدا وراء الآخر.

   ألحت عليّ صورة أبي كما لم تلح من قبل، كانت لحيته ترتجف، والعروق الزرقاء نافرة في يديه وهو يشوح: ما بتعرف رب ولا لك دين ولا ملة، ربك هن الدراهم ما غيرهن.. ما تغِير لا علي عرض ولا علي أرض.. ثم يوجه الكلام لأمي التي انقضت تدافع عني: أثراه وده يسوي الغنايم.. كود منشانه لقى ع الجامعة، لا وحياة هاللحية.. غير المصرية اللي وده يجيني كتفها ع كتفه .. ولا شي.. هم هم هم هم ..  يا ريتني بولته ف شجرة.

   وبدلا من أن أعود كتفي ع كتف مصرية، وفق تعبير أبي، عدتُ بإجازة في التاريخ.. ظل أبي يسأل: ليش ما تشغلك الحكومة،

لا يوجد ردود

"طلعة البدن" رواية مسعد أبو فجر:

أكتوبر
07

الأمكنة الهاربة لبدو سيناء

لعلّها المرّة الأولى التي تتسنّى لي فيها قراءة رواية مصرية خاصّة بالعالم الاجتماعي والثقافي والنفسي لبدو سيناء، أولئك الذين تعرّضوا لأنواع شتّى من التحدّيات اليومية، والذين عانوا قسوة التبدّلات السياسية والعسكرية، والذين حافظوا على تقاليدهم في العيش والتواصل مع الآخرين على التخوم القاسية للجغرافيا. ذلك أن «طلعة البدن»، المسرفة في استخدام تعابير وأغنيات ومفردات لغوية بدوية خاصّة بتلك القبائل المنتشرة في الصحراء الواقعة في قلب التحوّلات السياسية التي شهدتها تلك البقعة الجغرافية منذ الانتداب الإنكليزي والصراع مع العثمانيين، ونشوء دولة إسرائيل وحروبها ضد العرب، ثمّ سلامها مع مصر وبداية فترة مختلفة من العلاقات المتفرّقة بين أبناء القبائل والدولتين المتجاورتين (إسرائيل ومصر) والسيّاح القادمين إليهم للفرجة والمتعة و«التجارة»، شكّلت (الرواية) مرآة متواضعة وجميلة وهادئة عن عالم محفوف بالمخاطر والتهديدات والانقسامات والتمزّق، عاشه البدوّ في ظلّ مناخات قاتمة اعتادوا مخاطرها وآلامها، وعن تفاصيل هذا العيش بين الصحراء وما تحمله من مناخات وانفعالات وعلاقات، والمدينة (القاهرة) وما تنتجه من معان مختلفة وثقافة حياة جديدة بالنسبة إلى أبناء البدو، القادمين إليها من دون أن يتخلّوا عن ملامحهم الفطرية والثقافية الشعبية الخاصّة بهم. أما «طلعة البدن»، فبقعة جغرافية أشبه بجبل أو تلّة في مكان ما في سيناء، أو بالأحرى شاهق أسماه أجداد الراوي هكذا لأنه تبدّى لهم حين رأوه للمرّة الأولى «كبدن أنثوي يطلع من ثوبه» (ص 138). لكنه، في رواية مُسعد أبو فجر، لم يبق مجرّد حيّز مكانيّ فقط، إذا شكّل للقارئ انعكاساً لجمال الطبيعة وبهاء سحرها، كحال تلك البقاع المترامية على الرمال، لأنه بات مساحة شهدت نهاية سرد حكائيّ عن أناس وتفاصيل متداخلة ونزاعات وخبريات مستلّة من التاريخ القديم واللحظات الآنيّة. وعلى الرغم من قدرة القارئ على تبيان منحى سوسيولوجي ما في طيّات النصّ، إلاّ أن الرواية حافظت على شيء من تقنية السرد الحكائيّ، التي تضمّنت مزيجاً من تحليل ذاتيّ لتلك البيئة، ومعالجة فنية لوقائع تاريخية مشغولة بنكهة أدبية سلسة، ومعاينة جمالية لعلاقات قائمة بين البشر والحيّزين المكانيّ والزمنيّ المقيمين فيهما، وأيضاً بين هؤلاء البشر بعضهم ببعض. وإذا قدّم مُسعد أبو فجر لائحة صغيرة في نهاية كتابه هذا احتوت على عناوين أربعة كتب فقط («الكتاب المقدّس»، «تاريخ سيناء» لنعوم بك شقير، «لورانس» لأنتوني ناتنغ و«شارون قيصر إسرائيل» لعوزي بنزيمان) استعان بها لرسم صُورَ متفرّقة عن أحوال البدو وسيناء في مراحل زمنية مختلفة، إلاّ أن هذه الاستعانة ظلّت منضوية في صلب الكتابة الروائية المتمكّنة من سرد التفاصيل والخبريات بـ«لغتها الأصليّة»، إذا جاز التعبير. أي إن «طلعة البدن» ليست نصّاً اجتماعياً أو تاريخياً، بل أدب مكتوب بنبض حيويّ جميل، وإن لم يبلغ مرتبة الإبهار في استعادته المكان الجغرافيّ الذي أنزل لعنة على أبنائه بسبب تمدّده بين دول ومصالح وعلاقات مرتبكة، مع أنهم (أي أبناء البدو) يُتقنون «فن العيش» على الحدود الناشئة بين هذه الدول والمصالح والعلاقات المرتبكة. في مئة وأربعين صفحة من الحجم الصغير، روى مُسعد أبو فجر لحظات مستلّة من التاريخ والآنيّ معاً، وفصولاً من السير الذاتية والحياتية لأناس لم يتردّدوا لحظة عن مواجهة التحدّيات الخطرة بما امتلكوه من حكمة وذكاء فطريين. وفي لعبة جميلة اتركزت على إلغاء الحدّ الفاصل بين المراحل الزمنية والأمكنة الجغرافية (إذ ينتقل الراوي، فجأة، من مرحلة إلى أخرى ومن حيّز إلى آخر بشيء من النكتة الجميلة التي يستعين بها عندما يتوجّه بكلامه إلى القارئ)، غاص النصّ الروائي في تشعّبات الحبّ والتجارة والعلاقة بالأرض والناس والنزاعات العنيفة التي مرّت بين مضاربهم ونزواتهم، وسلّط أضواء عدّة على تصرّفات سلوكية خاصّة بأجيال مختلفة. كما أنه (النصّ الروائي) لا يتغاضى عن الممارسات الشاذّة لرجال أمن مصريين في تعاطيهم مع أبناء البدو، ويمعن تنقيباً في المعالم الإنسانية الخاصّة بهؤلاء الأخيرين (أبناء البدو) التائهين وسط انتماءاتهم القاسية للبراكين الكامنة في السياسة والجغرافيا معاً.

رواية جميلة تبدأ من سرد الفرد حكايته وحكاية بيئته، وتمتدّ إلى الجماعة في تقلّباتها وأمزجتها وتحدّياتها الدائمة 

بقلم نديم جرجورة

نقلا عن جريدة السفير البيروتيه

لا يوجد ردود

Featuring WPMU Bloglist Widget by YD WordPress Developer